تحليل إقتصادي

متاعب لا حصر لها في أفريقيا الناشئة

ديفيد ميليباند*

نيويورك – إن أفريقيا تتغير بشكل كبير، وكذلك تتغير مواقف الجهات الخارجية في التعامل معها، وتبدو الولايات المتحدة أخيراً عازمة على اللحاق بالصين وأوروبا والهند في اهتمامها بالقارة. وتشير القمة الأخيرة التي جمعت بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وأربعين من رؤساء الدول والحكومات في أفريقيا وأكثر من مائتين من كبار رجال الأعمال الأفارقة والأميركيين إلى مزاج جديد أكثر ثقة. وهو أمر مشجع؛ ولكن ما دامت أجزاء من منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا تناضل ضد الصراعات العنيفة والفقر والفساد فإن إمكانات القارة الاقتصادية لن تتحقق بالكامل أبدا.
إن فرص النمو الاقتصادي والتجارة في أفريقيا مثيرة ومغرية. والواقع أن الطبقة المتوسطة القوية في المنطقة والتي يبلغ قوامها 300 مليون نسمة تنمو بمعدل يتجاوز 5 % سنويا. وتحمل القارة لواء الريادة في مجال الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، ويقترب نصيب الفرد في الإنفاق الاستهلاكي هناك من المستوى في الهند والصين. وإذا كان بوسع الاستثمار الأجنبي، بالشراكة مع القطاع الخاص النشط في القارة، أن يفيد قطاعات رئيسية ــ وخاصة التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية ــ فإن أفريقيا قد تكتسب دفعة النمو الواسعة النطاق التي تحتاج إليها شعوبها.
ولكن الاستثمار في النمو ــ “نهضة أفريقيا” ــ ليس سوى جزء من القصة الكاملة. فهناك أيضاً أفريقيا التي تكافح الصراعات والأزمات التي تبتلي قسماً كبيراً من القارة، وخاصة عشرات الملايين من البشر الذين يعيشون على حزام من البلدان يمتد من مالي إلى الصومال. فحتى قبل تفشي مرض الإيبولا مؤخراً في ليبيريا وسيراليون، كان جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي عُرضة لخطر الانضمام إلى قائمة طويلة من الدول الهشة الفاشلة التي تضم الآن بالفعل الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وكثيراً ما تطغى الصراعات العرقية والدينية والاقتصادية وغيرها من أشكال الصراع في هذه الدول على أهداف الحكم الفعّال وتحول دون تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وتستحوذ هذه البلدان على قدر أكبر من الانتباه العالمي ــ ولكن لفترة وجيزة ــ في أعقاب عمليات القتل الجماعي أو أزمات اللاجئين. ثم يتحول الانتباه بعيداً لكي تستمر المشاكل في النمو وتتدهور الظروف المعيشية. ففي جنوب السودان، وهي أحدث دولة في العالم، كانت الوحدة السياسية مصانة عبر الخطوط العرقية أثناء الكفاح من أجل الاستقلال، ولكنها انهارت هذا العام لكي يندلع صراع عنيف. والآن فقد نحو 1.5 مليون شخص منازلهم، وفر نحو 400 ألف آخرون إلى دول مجاورة.
ووسط رعب بهذا النطاق المتسع، لا يستطيع أحد أن يعتبر نفسه آمنا. ففي إبريل/نيسان فقدت منظمتي اثنين من موظفيها كانا يعملان داخل مجمع الأمم المتحدة مع النازحين. وفي أوائل آب (غسطس) استُهدِف سبعة من عمال الإغاثة المحليين وأعدِموا.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، توقفت الهجمات التي كان يشنها مسلمون من مقاتلي سيليكا السابقين على المسيحيين، فقط لكي يحل محلها عنف ميليشيات أنتي بالاكا المسيحية ضد المسلمين الفارين. وانخفضت نسبة السكان المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى من 15% من مجموع السكان إلى 5 % فقط. وكما هي الحال دوما، كان القسم الأعظم من المعاناة من نصيب النساء والأطفال. وفي غضون الأشهر الثلاثة الماضية فقط، شهدت مراكز لجنة الإنقاذ الدولية في بانجي عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى ارتفاعاً كبيراً في أعداد النساء الفارات من العنف وسوء المعاملة.
الواقع أن العون مطلوب على وجه السرعة ولكنه يأتي بطيئاً للغاية. فحتى الآن تم تمويل 39 % فقط من مناشدة الأمم المتحدة لجمع 565 مليون دولار من أجل جمهورية أفريقيا الوسطى. ولم تحقق مناشدة الأمم المتحدة من أجل جنوب السودان، الذي يواجه المجاعة بعد أن تسبب القتال في منع المزارعين من زراعة المحاصيل، سوى نصف التمويل المستهدف. ويبدو أن إجهاد المانحين ــ والعديد من الأزمات العالمية التي تواجه صناع السياسات الآن ــ بدأ يحدث أثراً واضحا.
لا شك أن العمل الإنساني يشكل ضرورة أساسية لمعالجة الأزمات الملحة. ولكن من الأهمية بمكان أن ندرك أنه تماماً كما تؤدي الأزمات السياسية غالباً إلى أزمات إنسانية، فإن الاحتياجات الإنسانية من الممكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي، مع تسبب النزوح الجماعي من البلدان المجاورة المبتلاة بالأزمات في زعزعة استقرار مناطق بالكامل. والواقع أن الحروب الأهلية نادراً ما ينجح احتواؤها داخل البلدان التي تبدأ فيها.
والحق أن مشاكل اللاجئين عميقة الجذور دائما. فما يقرب من نصف سكان العالم من الفقراء على سبيل المثال يعيشون في دول هشة مبتلاة بالصراعات ــ بزيادة 20 % مقارنة بالحال قبل عشر سنوات ــ ويعيش نحو 75 % من اللاجئين بين سكان محليين في المناطق الحضرية. وهناك ارتباط وثيق بين مثل هذه الأزمات والتخلف التنموي.
ونحن الآن نعلم بشكل متزايد أي شكل من أشكال العمل الإنساني قد يصادف النجاح. فالمبادرات المجتمعية التي تعمل على بناء الثقة أفضل من المشاريع والبرامج التي تدار مركزياً أو من الخارج. ويُعَد تمكين النساء من حماية أنفسهن من العنف، أو تعليم الأطفال النازحين كيف يتغلبون على مصابهم، من بين السبل الأكثر فعالية لتحقيق التعافي. ونحن نعلم أيضاً أنه في غياب الأمن تختفي التنمية. واليوم ينتشر أكثر من مائة ألف من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي عبر الدول الأفريقية المنكوبة. ولكن المزيد مطلوب، وخاصة في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان.
إن الاستثمار الاقتصادي في أفريقيا أمر بالغ الأهمية ويستحق التفكير الجدي والتخطيط الطويل الأجل. وكانت إدارة أوباما محقة في تشجيع الفرص التجارية في القارة. ولكن هذا وحده لن يكون كافياً للتعامل مع مصادر العنف التي لا تزال تفسد حياة الملايين من البشر. ولابد أن تقف الإغاثة الإنسانية جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والحكم الرشيد كركائز لدفع قارة أفريقيا إلى تحقيق إمكاناتها الحقيقية.

*رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ومديرها التنفيذي، وكان وزيراً لخارجية المملكة المتحدة في الفترة 2007-2010.
خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock