أفكار ومواقف

متخاذلون إزاء قضية مصيرية!

الأمور ظلت واضحة دائما لكل مواطن أردني بشأن اتفاقية السلام مع دولة الاحتلال، حيث كان التأكيد على أن هذه الاتفاقية تمثل الدولة وحدها لا سكانها. من أجل ذلك، ورغم مرور أعوام طويلة على توقيعها، فإن تطبيع الأردنيين ظل في أضيق الحلقات، بل على العكس من ذلك تماما، فقد قاوم الأردنيون التطبيع بكل ما أوتوا من قوة، فيما لم تذهب الدولة للترويج لهذه الفكرة شعبيا أو تفرضها على المواطن.
هذه النقطة يجب أن تكون واضحة للجميع ممن يحاولون إقناع دولهم بفتح علاقات مع إسرائيل استنادا لاتفاقيتي السلام الأردنية والمصرية، فهناك فرق كبير بين سياسة الدول وبين الموقف الشعبي منها.
هذه المعادلة كانت في أبهى صورها خلال اجتماعات الاتحاد البرلماني العربي في عمان الشهر الماضي عندما تحدث رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة عن أن المجالس النيابية العربية تمثل الشعوب وليس الحكومات، وموقفها الرافض للتطبيع هو موقف نابع من قناعات الشعب. جاء ذلك ردا على مداخلة رئيس مجلس الشورى السعودي الذي أكد خلالها على أن أي موقف يتخذ بهذا الشأن يجب أن يتماشى مع الموقف السياسي للدولة.
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في البحر الميت، كان وزير خارجية سلطنة عمان يدلو بدلوه بهذا الشأن، داعيا إلى بث رسائل الطمأنينة لدولة احتلال مجرمة، محملا العرب مسؤولية حالة الذعر التي يعيشها الكيان الصهيوني. في هذا اللقاء كان رد وزير خارجية المملكة أيمن الصفدي حازما ويعكس الموقف الأردني الصارم بهذا الاتجاه، وقد كان الصفدي، كما الطراونة، بحجم الوطن.
بالأمس، قرأنا أقوالا تعكس الموقف العربي المتخاذل تجاه القضية الفلسطينية، حيث سارع رجل أعمال خليجي لنشر فيديو يؤكد فيه أن “اسرائيل ليست العدو الأول لدول الخليج، وإنما إيران”، داعيا إلى السلام والتعاون مع إسرائيل اقتصاديا وزراعيا وعلميا ودفاعيا.
وتابع “هم أفضل من غيرهم. عدونا الأكبر هي إيران وليست إسرائيل، ولا داعي للمجاملات والكذب على أنفسنا، حتى الفلسطينيون أكثر من 2 مليون منهم حصلوا على الجنسية الإسرائيلية”، على حد تعبيره. إنه يتحدث عن الفلسطينيين الذين اضطروا أن يعيشوا في ظل الاحتلال لأنهم لا يريدون التنازل عن أرضهم للعدو، ومع ذلك يتناسى دماء آلاف الشهداء التي سكبت في شوارع فلسطين المحتلة.
فيما يتعلق بـ”صفقة القرن”، نجد أن الصمت العربي يخيم على الأجواء، فلم نلحظ رفضا، أو تنديدا، أو دعوة للتفاوض، بل إن التصريحات الرسمية، على قلتها وضعفها، لا تترك أثرا، ولم نجد إلا ناصرا واحدا للقضية الفلسطينية والقدس وهو جلالة الملك ومن ورائه شعبه الذي يخرج في مسيرات متواصلة لتأكيد وقوفه خلف مليكه بهذا الشأن.
الموقف العربي يبتعد مهرولا عن القضية الفلسطينية، وهذا بات يؤثر في تفكير الصالونات السياسية الأردنية التي أصبحت تعتبر ذلك خذلانا في أسوأ صوره، ويدفع المملكة نحو الوقوف وحيدة في وجه العاصفة القادمة. هذا أمر غاية في الخطورة إذا ما قورن بالأدوات التي تمتلكها من أجل الصمود تجاه متطلبات المرحلة المقبلة. بل إن البعض يقول “لماذا نتحمل العبء وحدنا”، مطالبين بالذهاب سريعا لبناء تحالفات جديدة تتماشى مع الشكل المتوقع لتركيبة الشرق الأوسط المقبلة.
ما ننتظره من العرب في هذا التوقيت الحساس مع قرب إعلان تفاصيل صفقة القرن هو موقف حازم تجاه المرحلة برمتها وتجاه دولة الاحتلال، لا أن نسمع أصواتا تدعو للانفتاح على الكيان الصهيوني والتقرب منه، فيما هو كالدود الذي ينخر في ما تبقى من جسدنا الهزيل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock