تحليل إخباري

مترابطة المناخ واللاجئين: الأردن نموذجا

رسمي حمزة*

شكلت اتفاقية باريس في العام 2015 نقطة تحول في قضايا التغير المناخي، حيث أجمعت الدول على ضرورة البدء بإجراءات الحد من الانبعاثات في كوكبنا، وشكل هذا الاتفاق حجر الزاوية لانطلاق عمل عالمي جماعي لخفض الانبعاثات وبالتالي الحد من ارتفاع درجات الحرارة لسقف 1.5 درجة مئوية على اساس بيانات قبل الثورة الصناعية. ومنذ باريس ولغاية العام 2021 لم يتم وضع إطار تنفيذي لهذه الاتفاقية الأممية، التي صفق لها العالم أجمع واعتبرها الخطوة المنتظرة لإنقاذ الكوكب.
هنالك حقيقة تتمثل بأن 80 % من الانبعاثات الضارة في هذا الكوكب تسببت بها عشرون دولة صناعية فقط، بينما تتحمل بقية شعوب الأرض مسؤولية نسبة الـ20 % المتبقية، وهذا جعل قضية “عدالة المناخ” مقارنة بالتقدم الصناعي غير منصفة، وجعل المسؤولية الأخلاقية للدول الصناعية الكبرى الملوثة لكوكب الأرض منذ الثورة الصناعية كبيرة، وهذا الوضع جعل من غير العدالة مطالبة الدول بإجراءات متساوية من حيث الكلفة. فالدول الفقيرة والنامية لا تتحمل نفس المسؤولية مع الدول الصناعية من حيث القدرة على تحمل نفقات وتبعات إصلاحات المناخ وتنفيذ التحول باتجاه تخفيض الأنشطة المسببة للإنبعاثات على قدم المساواة مثل الدول الصناعية الغنية، ومع إقرار حقيقة أن هذا الكوكب للجميع ولا بد من العمل الجماعي لإنقاذه والمحافظة على استقرار مناخة.
في باريس وعدت الدول الصناعية الكبرى دول العالم الثالث بالتمويل والمنح للعمل على تنفيذ إجراءات التكيف وتخفيض الانبعاثات، تحول الأمر في قمة المناخ في بون إلى تمويل على شكل قروض، في حين لم تفي الدول الصناعية الكبرى بوعدها بتوفير 100 بليون دولار لصندوق المناخ الأخضر لمساعدة دول العالم الثالث، وما يزال التسويف مستمرا، وما تزال القضايا الرئيسية التي تتطلب التزاما ماليا من هذه الدول قيد التأجيل والنقاش، على شكل وثائق تتكون من آلاف الصفحات.
ولطالما أكدنا عبر مختلف المنابر والرسائل الإعلامية؛ أننا في الأردن ننظر إلى موضوع التغيرات المناخية وحقيقتها بجدية كبيرة، ونحرص على تضمين أنشطتنا الاقتصادية أبعاد التغيرات المناخية وأثرها على تحقيق التزاماتنا الوطنية والتي بلغت 31 % بحلول العام 2030 في التحديث الأخير، بنفس الوقت نؤكد أننا ننظر إلى أن العمل على مشاريع التغيرات المناخية كتحديات هي تشكل “فرص تنموية” لنا بذات الوقت، من حيث تحسين واقع حياتنا بتخفيض التلوث وخاصة في قطاعي الطاقة والنقل، ومن حيث استقطاب المنح الدولية للمشاريع المقررة والمحددة ضمن وثيقة الالتزمات التي قدمها الأردن للأمم المتحدة لتخفيض الانبعاثات كمساهمات وطنية في هذا الإطار.
وأول أمس أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم في كلمته في قمة المناخ Cop27 في شرم الشيخ، على أن “دول المتوسط هي الأشد تأثراً بالتغيرات المناخية بمظاهرها المختلفة من ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه”، إلى جانب عدم استقرار المنطقة سياسياً من حيث الحروب والهجرات القسرية، ولهذا أطلق جلالته مبادرة “ مترابطة المناخ واللاجئين” لمنح الدول المستضيفة للاجئين دعماً إضافياً كونها تتحمل عبئا مناخيا أكبر نتيجة شح الموارد، وتقاسم الموارد والخدمات مع هؤلاء اللاجئين، وهو أمر مهم يستحق الدعم من مختلف دول العالم. ونذكر هنا أن المجتمع الدولي لم يف بمساهماته التي وعد بها الأردن ضمن خطة الاستجابة للاجئين السوريين في الأردن؛ فقط 14 % كانت نسبة التمويل من أصل قيمة الخطة البالغ تكلفتها 2.5 بليون دولار، وهو أمر يبرر إطلاق الأردن هذه المبادرة لتنفيذ خططه في مجال محاربة الاحتباس الحراري والتكيف المناخي.
قمة الأمم المتحدة للتغيرات المناخية السنوية مهمة، لاستمرار زخم العمل الكوني لإنقاذ الكوكب بالحد من الانبعاثات ضمن إطار جماعي، وتسجل في وثائقها اعترافا وإقرارا من الدول الصناعية بمسؤوليتها الكبرى والأساسية عن قضية الاحتباس الحراري بفضل نشاطها الصناعي الجشع وبالتالي عليها واجب تقديم التمويل والدعم للدول الفقيرة والنامية لمحاربة التغيرات المناخية والحد من آثارها.
*مدير صندوق الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock