مشهد صعب، قد لا تتخطاه الذاكرة بسهولة. طفل لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، التقيت به في أحد المحال التجارية، قادما لشراء الخبز وبعض المستلزمات.

كان التعب باديا عليه، والجوع يقفز من عينيه، وبالكاد يقوى على الوقوف.

ثيابه رثة، ووجهه متشح بالسواد. كل هيأته تخبر بالبؤس، خصوصا ملابسه الملطخة بألون كثيرة من الدهان، لتعكس طبيعة عمله في مشروع إنشائي قريب من المكان.

الطفل كان قادما لشراء الخبز وبعض الحاجيات لمن يعملون معه، وحينما وقعت عينه على قطعة من البسكويت، سأل عن ثمنها، وتفقد سريعا ما في جيبه، ليكتشف أن ما لديه لا يكفي لشرائها.

لم أنس ملامحه وهو يعيد القطعة مكانها، بينما الحسرة تطل من عينه. في تلك اللحظة لم يخطر ببالي إلا شيء واحد، وهو أن أمنحه سعادة بسيطة مؤقتة، فقمت بشرائها وتقديمها له، لكنه رفض تماما.

ورغم محاولاتي معه طويلا، وبعد هدوء لم يتجاوز إلا لحظات، رد عليّ، “لما أجمع حقها رح أرجع واشتريها.. شكرا الك”.

أخذ الطفل حاجياته وذهب، وأخذ معه ملامح متعبة، وحسرة وأمنيات لأشياء بسيطة لا يقوى على تحقيقها، لكنه مضى حاملا ما هو أكبر من كل ذلك؛ عزة نفسه وكبرياءه وعناده، رغم حاجته الشديدة لأبسط الأشياء.

تلك قصة عن طفل ذي كبرياء وأنفة، في مقابل شباب وصغار يمتهنون التسول، هؤلاء المتسولون الذين يجوبون الشوارع، خصوصا عند الإشارات، فعند إشارة ضوئية واحدة، قد تضطر للتعامل مع 4 أو 5 أشخاص على الأقل.

آخرون يفترشون الأرصفة على مداخل المحال التجارية، ويستفزون بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة الآخرين، لأخذ ما في جيوبهم عنوة.

لا شيء لديهم، ولا موهبة سوى “ابتزاز” العواطف بطرق بالية وتقليدية وكاذبة تتكرر ذاتها في كل مرة.

كذب وخداع، وإخضاع الآخرين لمواهبهم الفاسدة، سواء برمي ما يبيعون داخل المركبة، أو رش مياه على النوافذ لمسحها، لإيصال لك رسالة تقول: “ستدفع بالتي هي أحسن”، وإن تمكن الشخص أن يتجاوزه والتخلص منه، فسيكون آخر بانتظاره يمتهن طريقة جديدة تدفع بك أحيانا لدفع ما لديك، فقط من أجل الخلاص منهم، وهو ما يفعله الكثيرون.

لم يعد الأمر مقبولا، بوجود هذا العدد الكبير من المتسولين في مكان، خصوصا خلال الفترة الأخيرة، فقد كان انتشارهم كبيرا، وبأساليب تتلاءم بحسب المكان، لأخذ المال بطرق شتى، فمنهم من يمسك ورقة تحكي عن مرضه أو مرض أحد من عائلته، ومنهم من يلجأ إلى الدموع لكسب التضامن، ومنهم من يؤشر على قصور جسده، أو من يفترش الأرض راميا علبة العلكة أمامه يبكي عليها، متحججا بأن أحد المارة قام بضربه ورميها، بمشهد تمثيلي يكرره كل يوم.

والأسوأ من كل ذلك طرق انتقامية شاهدتها يوما بعيني، حينما قام أحد المتسولين بـ”خدش” احدى المركبات بمسمار لأن صاحبها لم يعطه المال.

ظاهرة التسول- غير المنتهية- تشويه حقيقي للمجتمع، فمن يحتاج المال حقا هنالك ألف طريقة للحصول عليه، لكن التسول يجب ألا يكون من بينها.

ورغم الضبوطات التي تقوم بها وزارة التنمية الاجتماعية يوميا، إلا أن المتسولين يزدادون يوما بعد يوم، لذلك نتساءل: أين هي السياسات الحكومية الحقيقية لمواجهة الظاهرة، وأين هي المؤسسات التي ترعى الطفولة حتى لا يكون مصير الأطفال متسولين على أبواب المحال وأرصفة الشوارع، وبين عجلات المركبات.

لا يمكن أن تظل السياسات الحكومية في مواجهة الظاهرة عبارة عن حملات تفتيش فحسب، بل ينبغي أن تكون هناك سياسات مبنية على دراسات حقيقية لأسباب الظاهرة، وطرق علاجها، خصوصا مع تقارير تفيد أن هناك عصابات منظمة تمتهن هذا الأمر، وتجند فيه النساء والأطفال!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock