أخبار محلية

متطلبات الإصلاح التربوي (1 – 4)

د. ذوقان عبيدات

الأسئلة الكبرى في تطوير المناهج
هذه سلسلة مقالات من الإصلاح والتطوير التعليمي والمناهج الدراسية تبدأ بالمقالات الأربع الآتية:
1 – متطلبات الإصلاح التربوي.
2 – هل تتوافر متطلبات التطوير؟
3 – هل تتوافر الإرادة السياسية للتطوير والإصلاح؟
4 – قراءة في الإطار العام للمناهج الدراسية الجديدة.
وقد روعي أن تكون المقالات مباشرة، تربط بين الواقع ومتطلبات التطوير، ومناقشة قضايا التطوير بالموضوعية اللازمة.
وفيما يلي المقالة الأولى…

لا يوجد معنى محدد للإصلاح التربوي، لأن ذلك يعتمد على واقع النظام التربوي نفسه، وعلى أهداف الإصلاح نفسها، فقد يكون الإصلاح شاملاً لكل مدخلات النظام التعليمي وعملياته، وقد يكون مقصوراً على إحدى العمليات أو أحد المدخلات، وقد يكون الإصلاح عميقاً أو شكلياً، فما عهدناه من إصلاحات في نظام التوجيهي مثلاً كان شكلياً. وفي نظام نقابة المعلمين كان شكلياً. وحتى في الإصلاحات العميقة، فقد كان بعضها شكلياً أو معظمها شكلياً.
وسأحاول في هذه المقالة أن أحدد بعض عناصر الإصلاح الذي مارسته أنظمة تعليمية تفوّق طلابها في الامتحانات الدولية، لنصل إلى مجموعة من الحقائق:
1- أن ما يقصد بإصلاحات أو تفوق، يقتصر فقط على قياس مدى تحصيل الطلاب. ولم يسأل أحد عن مدى تحقق الأهداف التربوية المهارية أو الحياتية أو القيمية. فالمربون ما زالوا في معظمهم يعتقدون أن تفوق الطلبة هو المعيار الوحيد الذي يعكس سلامة العملية التربوية! في حين لم يقس أي نظام تعليمي مدى النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي، يقيسون فقط نوعية إجابات الطلبة على أسئلة محددة.
وقد يبدو منطقياً إثارة أسئلة مثل:
كم عالماً سنغافورياً؟ أو فنلندياً؟ أو استونياً؟ وهي دول تفوقت في الاختبارات الدولية. وبالمقابل: لماذا يكون معظم العلماء أميركيين مع أن طلبة الولايات المتحدة لا يحققون ما يحققه طلبة فنلندا وسنغافورة واستوانيا من تحصيل؟!
وكم جائزة مرموقة حصل عليها هؤلاء الخريجون من أنظمة تربوية تعتبر متفوقة؟
2- إن دراسة الإجراءات في الدول التي تفوق طلابها لا تقودنا إلى قوانين ولا حتى إلى مبادئ للتفوق، فبعض الدول ركزت على خفض ساعات الدراسة وإلغاء الواجبات البيئية وبعضها ركز على مناهج التعليم، وأخرى على أداء المعلمين أو على تحسين أوضاع المعلمين، وبعضها على زيادة الإنفاق على التعليم، في حين اتخذت دول أخرى اجراءات معاكسة وحصلت على التقدم المطلوب.
وسأعرض فيما يأتي بعض اجراءات ومصادر تقدم دول في المجال التربوي، وهذه مصادر وإجراءات متعارضة وقد تكون متناقضة، للوصول إلى خلاصة أن الاصلاح يجب أن ينطلق من واقع كل دولة، وأن استيراد مناهج علوم ورياضيات من دول أخرى ليس حلاً! فهل يعي مسؤولونا هذه الحقائق؟
خصائص بعض الأنظمة المتفوقة
كما قلت تفاوتت، بل اختلفت خصائص الأنظمة التعليمية المتفوقة، ففي سنغافورة، تم التركيز على إصلاحات سريعة في استئجار معلمين متفوقين. وإعداد كتب دراسية. وبناء مدارس عديدة في فترة سريعة. وكان شعار النظام السنغافوري: درس أقل وعلم أكثر، وشعار: مدارس مفكرة تساوي أمة متعلمة، لقد زادت سنغافورة من الإنفاق على التعليم ليصل 20 ٪ من الإنفاق الحكومي.
وفي استونيا، تميز وتفوق طلابها من خلال انخفاض نسبة من حصلوا على درجات دنيا. 96 ٪ من طلابها حصلوا على درجات جيدة، بينما كانت نسبة الضعاف لا تتعدى 4 ٪ فقط وهي من أفضل النسب في جميع الدول.
ركزت استونيا في إصلاحاتها على اللامركزية، وإعطاء دور للمدارس في اختيار المناهج والمعلمين. وقلصت عدد الطلبة في الفصل الواحد.
وفي كندا، كان الطلبة يعلمون أنهم يدرسون من أجل المتعة. وركزوا على زيادة رواتب المعلمين. حيث يتبين وجود علاقة إيجابية بين زيادة الرواتب وزيادة تحصيل الطلبة.
وفي فنلندا، قلص النظام التعليمي من فترة الدراسة اليومية، وكادت تلغي الواجبات أو قلصتها إلى أدنى حد. وكان اهتمام النظام التعليمي مركزاً على تطوير مهمة التدريس، بما يجعل للمعلم مكانة اجتماعية مرموقة. لقد جذبت فنلندا عناصر جيدة للتدريس، وأعطتهم استقلالية في القرار. كما زودت الطلبة بوجبة ساخنة يومياً.
وفي مدينة شنغهاي، التزم النظام التعليمي بمقولة: كل طالب يستطيع الوصول إلى درجة مقبولة من النجاح. وبذلك ألغت تصنيفات الطلبة، وتوزيعهم حسب قدراتهم. وسعى النظام التعليمي إلى جذب معلمين أكفاء. وكان تركيز المعلمين على الواجبات الطويلة مما حفز الأهالي على تسجيل أبنائهم في دروس خاصة خارج المدرسة.
وهكذا نلاحظ تضارب بعض الإصلاحات، ولكنها كلها ركزت على وجود المعلم الجيد والمعلم المستقل. ومن وجهة نظري، إن ما يجمع هذه الأنظمة كلها هو: الإرادة السياسية في إحداث الإصلاح التعليمي، بدءاً بإصلاح المعلمين.
متطلبات الإصلاح التعليمي
يتضح مما سبق، أن منهج الإصلاح يفوق في أهميته محتوى الإصلاح، وما يصلح لنظام تعليمي قد لا يصلح لغيره. ولذلك يبدو الحديث عن منهج الإصلاح أكثر ضرورة.
إن منهج الإصلاح يمكن أن يعتمد على مبادئ أساسية، قد تتفق أو تكون مشتركة بين الجميع، مثل:
1 – وجود إرادة سياسية واضحة للإصلاح التعليمي، تستطيع حشد الطاقات، وتقليل مقاومة المحافظين أو الرافضين لأي إصلاح، فمثلاً ترفض المجتمعات العربية تقليل حصص اللغة أو التاريخ. فبدون الارادة السياسية لا يمكن البدء بالإصلاح. ففي المملكة العربية السعودية تمكن النظام التعليمي من احداث اختراقات مهمة في المناهج، حيث أدخلت مادة تعليم التفكير ومادة المنطق. وهذه مهمات مستحيلة لو لم تتوافر إرادة سياسية. وفي الاردن أيضاً، يستحيل الحديث عن إدخال مادة الفلسفة أو المنطق أو التربية الجنسية، خوفاً من الإرباك المتوقع نتيجة مثل هذه القرارات، اذن؛ الارادة السياسية شرط أساس للبدء بالإصلاح!.
2 – بناء شبكة دعم واسع للإصلاحات التربوية، تتمثل بضمان تأييد المعلمين والاهالي ورجال الدين وغيرهم من الجماعات المؤثرة في المجتمع وهذا يتطلب أن يكون منهج الاصلاح علمياً، وأن تكون غاياته واضحة ولا مجال أصلاً لإصلاح تعليمي ليس مدعوماً مجتمعياً، ففي الأردن تم العام 2016 إحراق الكتب المدرسية بداعي تقليل الأحاديث النبوية في مادة اللغة العربية!.
فالإصلاح يبدأ بالعمل مع فئات المجتمع وتوضيح غايات الاصلاح أمامها.
3 – أن يكون الاصلاح المطلوب قريباً من مستويات المعلمين، ولا يجوز أن يفوق الاصلاح ما يستطيع أن يقوم به المعلمون وقد اثبتت تجارب عديدة ان المعلمين – وتحت اعذار مختلفة – يستطيعون تدمير أي إصلاح تربوي.
4 – بناء توافق وطني حول متطلبات الإصلاح واتجاهاته ولا يكفي أن نقول أننا نريد تعلم مهارات لا تفكير فلا بد من تحديد هذه المهارات، ومجال استخدامها، فمهارة الشك مثلا كانت مرفوضة في المناهج الاردنية، للاعتقاد بأنه قد يساء استخدامها وتوظيفها، كذلك مهارات مثل نفس المسلمات وعكس المسلمات وتشويه المسلمات، فلن يقبل المعلمون ولا المجتمع أي مهارة قد يفهمون منها، حرية زائدة في التفكير.
إن دراسات عديدة أشارت إلى أن المشتركات الوطنية هي:
– مهارات حقوق الإنسان بما في ذلك المرأة.
– مهارات التفكير المنطقي والناقد والابداعي.
– مهارات تخطيط المستقبل.
– مهارات إدارة الذات.
– مهارات العيش في عالم التغير السريع.
– مهارات استخدام (الاتيكيت) والبروتوكل.
– مهارات الحفاظ على سلامة البيئة.
– مهارات الذوق والجمال.
5 – بناء قدرات النظام من حيث الموارد الفنية الانسانية، وهي أكثر أهمية من الموارد المادية، ومن الموارد المهمة أيضاً اختيار التوقيت والمدة، فالاصلاحات التربوية لا تظهر أثارها بسهولة وسرعة فلا بد من فترة بين بداية الإصلاح وبين أول ثمراته.
هذه هي متطلبات الإصلاح، وأكرر ثانية:
– ليس هناك محتوى معين للإصلاح فالمحتوى يعتمد على ظروف النظام التعليمي، فالواجبات البيتية قد تكون إصلاحاً أو إعاقة.
والإنفاق الزائد قد يكون كذلك، ومدة الدراسة أيضاً ولكن لا بد للاصلاح من أن يكون تقدمياً، بمعنى أن يعتمد البحث العلمي والمنهج العلمي، وأن يعترف بأن كل طفل قادر على التعلم، وأن التعليم الجيد هو ما ينمي مهارة التعلم مدى الحياة، ولن يشعر الطلبة بذلك إلا إذا شاهدوا معلميهم متعلمين لا مجرد معلمين!!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock