أفكار ومواقف

متعة التسوق؟

متعة التسوق مصطلح رأسمالي متوحش، يشجع على الاستهلاك بمائة طريقة وطريقة؛ لأن استمرار النظام الرأسمالي يتوقف عليه، ويقاس به، حتى وإن دمر البيئة، أو أدى إلى نضوب الموارد.
يرى بعض علماء النفس أن متعة التسوق عند الراكضين وراء الاستهلاك، هي قوة خاصة -ولكن مختلفة- يملكها المستهلك، وتتجلى في اختياراته الاستهلاكية من بين عشرات أو مئات أو آلاف السلع المعروضة عليه في السوق المركزية أو “المول”.
هذه القوة -أي القدرة على الاختيار- هي التي تجعل التسوق ممتعاً عند كثير من الناس. إنها إحساس غير عادي بامتلاك القرار في إكمال الشراء أو رفضه. وربما يتعاظم هذا الإحساس إذا كان المرء محروماً من الاختيار السياسي، كما في الأنظمة الدكتاتورية؛ فعنذئذ قد يصبح الاختيار الاستهلاكي متنفساً أو بديلاً هزيلاً للاختيار السياسي.
أما الجانب الثاني لمتعة التسوق، فآت من خروج الإنسان من رتابة الحياة اليومية التي لا يملك فيها مثل هذا الأسلوب البسيط في الاختيار أو التحكم بقراره الذي يملكه في حالة التسوق. ولذلك، يحب بعض الناس المفاصلة، ويستمتعون بها، لأنها تشعرهم بالقوة أو بامتلاك القرار بالشراء أو الامتناع عنه، ثم الحديث عن الحصول على السلعة بأقل الأسعار، وعن هزيمة البائع؛ بينما قد يكون الأمر بالعكس. وعندئذ، قد يقاطعون البائع الفائز عليهم. كما يشعرون بضعف القرار إزاء السعر الثابت للسلعة، وإن برروه بالعدالة والمساواة أو المقارنة وتوفير الوقت. ويفضلون السوق التي تروج نفسها من خلال الحسومات أو التنزيلات التي تخلو من “حتى” أو “لغاية” أو”up to”؛ لأنهم لا يثقون بها، ويفضلون الأسواق التي تقبل إرجاع السلعة أو تبديلها ولأي سبب كان، لأنها تجعلهم يشعرون بالحرية، أو بالقدرة على التحكم أو السيطرة التي كانت لديهم قبل الشراء.
أما قلق التسوق، فينجم عن فقدان القوة أو السيطرة بمجرد اتخاذ القرار بالشراء وتنفيذه. ويتجلى ذلك بعدم اكتراث الناس بشأن معظم المشتريات بالشكوى من النوعية أو بإعادتها واستبدالها، وكأن المشتري يأكل “هوا” ويسكت.
***
يبدو أن ازدياد قوة الشراء في العالم النامي تعني تقليد أو نسخ أنماط الاستهلاك في الغرب، وبخاصة في أميركا. فالمشتري في الأردن، وفي مصر أو الخليج… يشعر -وهو يتجول في سوق مركزية، ويدفع عربة التسوق إلى الأمام ويملؤها بالسلع- وكأنه يتسوق في أوروبا أو أميركا.
ومما يزيد في عجز المرء وعجز الدولة، ذلك الاستهلاك التظاهري القوي (وحتى الاستثمار التظاهري) الذي يسيطر على رواد الأسواق و”المولات”، وهم يتنافسون على ملء عرباتهم بالسلع، وإن كانوا غير محتاجين بإلحاح لها.
إن هذا السلوك غير مستدام اقتصادياً في البلاد التي تقل فيها نسبة الإضافة في الإنتاج المحلي في السلعة عن خمسين في المائة أو أكثر. كما أنه غير مستدام بيئياً، لأنه يستنفد الموارد ويلوث البيئة.
***
بعد أن انتقل التيار القومي واليساري من الفرن الذي كان مستعراً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى الثلاجة السياسية أو حتى إلى المجمد (بكسر الميم)، حلَّ التيار الديني الأصولي الإسلاموي محله في الفرن.
يبدو أن كلاً من التيارين بحاجة إلى مغسلة أتوماتيكية ونشافة قوية تخلصهما مما علق بهما من شوائب جراء التنافس على السلطة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock