ترجمات

متلازمة الاحتجاج المسلح في العراق: من صراع الأفكار إلى العنف

عباس عبود سالم* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 14/11/2022

لكي تستعيد الدولة العراقية استقرارها وسلطتها، ينبغي على حكومة السوداني أن تعمل على فك الارتباط القائم منذ سنوات بين الاحتجاجات والعنف المتبادل.

  • * *
    تصاعدت شعبية الاحتجاجات العنيفة في صفوف المجتمع العراقي بشكل كبير، وتكررت مشاهد العنف ونزيف الدماء بحيث أصبحت تمثل أحد أهم مظاهر الاحتجاجات الشعبية في العراق، التي غالبا ما لا تمر من دون سقوط ضحايا بين طرفي النزاع. فمن الذي أوجد متلازمة الاحتجاج المسلح؟ وما الذي جرد الاحتجاجات السياسية في العراق من سلميتها؟ وما تداعيات ثقافة الاحتجاجات المسلحة في العراق على مستقبل النظام السياسي؟ سوف يشكل فهم الإجابة عن هذه الأسئلة أمرًا أساسيًا، خاصة بعد تولي الحكومة الجديدة في العراق ولايتها، وفي ظل الظروف المعيشية المتدهورة التي يمر بها المواطن العراقي والتي تشير إلى احتمال بروز حركة احتجاجية جديدة.
    خلال مائة عام من عمر الدولة العراقية، شكل الاحتجاج المسلح من خلال الثورات والانقلابات والانتفاضات المسلحة العلامة المميزة للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي. ومنذ العام 2003 ولغاية اليوم، شهد العراق ثلاث مراحل من الاحتجاجات التي بدأت سلمية وانتهت بكوارث عنيفة، وتشمل مرحلة المقاومة، و”الربيع العراقي”، و”احتجاجات تشرين” 2019.
    منذ بداية سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 ولغاية منتصف العام 2008، أصبحت الاحتجاجات المسلحة جانبًا مهمًا من جوانب المقاومة العراقية. وللأسف، أتت تلك الظاهرة بنتائج مدمرة ذهبت بالعراق إلى النزاع الطائفي، وأفسحت المجال أمام الجماعات المسلحة التي استفادت من التنظيم القوي والعنف المطلق. وانتهت هذه الدوامة بمخرجات سياسية ثقيلة، أبرزها تراجع قوة الدولة وانقسام المجتمع طائفيا وفكريا، واندلاع الصراع الأهلي بين السنة والشيعة، وانتشار العمليات الإرهابية، وتبرير وجود الميليشيات المسلحة كأمر واقع، لغاية تمكن الدولة من القضاء على تنظيم القاعدة وعلى الجماعات المسلحة الأخرى وتحجيم الميليشيات في العام 2008.
    مع صعود موجات الربيع العربي التي انطلقت من تونس ومصر نهاية العام 2010 ومطلع 2011، بدأت دورة ثانية من الاحتجاجات الشعبية العراقية في شباط (فبراير) 2011. وقد بدأت هذه الاحتجاجات سلمية ورفعت شعارات مدنية. ثم شهدت تلك الاحتجاجات أعمال عنف متبادلة بين المحتجين والقوات الأمنية، وتحولت إلى ما سميت بـ”ثورة العشائر” التي تحولت لاحقا إلى حواضن لتنظيم “داعش”، الذي قدم عناصره أنفسهم في البداية بشكل يتوافق مع المزاج الشعبي في مناطق الاحتجاج.
    كانت المخرجات السياسية والأمنية مختلفة تماما عن مقدماتها. فقد انتهت دورة الاحتجاج المسلح بتصدر الفصائل المسلحة الشيعية للمشهد، وتأسيس “الحشد الشعبي” كرد فعل طبيعي نتيجة ظهور تنظيم “داعش” وتمدد الإرهاب. وفي المقابل، انتشر الصراع المسلح في كل مكان، حيث أنتج كل جانب من جوانب الصراع مجموعات منشقة عنيفة بشكل متزايد.
    ومن الجدير بالذكر أن الدورة الثالثة من الاحتجاجات العنيفة في العراق جاءت في الأساس نتيجة الشعور المعادي لإيران. وعلى الرغم من أن المرحلتين الأوليين من العنف ركزتا على مقاومة الوجود الأميركي في العراق، ثم النظام العراقي نفسه، إلا أنهما أفسحتا المجال لبروز الدورة الثالثة للمقاومة المسلحة في العراق التي انطلقت في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2019.
    في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، كان الأمر مختلفًا بشكل جذري عن دورات الاحتجاج السابقة. فقد أصبحت بغداد مركز جغرافية الاحتجاجات، وأصبح عمقها محافظات الوسط والجنوب، وأصبحت مطالبها وطنية غير مختصة بطائفة أو فئة، وكان خطابها جذاباً، عبّر عن مطالب شعبية يرددها أغلب العراقيين.
    ومع ذلك، رافق هذه الاحتجاجات المزيد من العنف، سواء بتعرض المتظاهرين لإطلاق النار أو اغتيالات وتصفيات أو تعرض القوات الأمنية إلى قنابل المولوتوف والحجارة والعيارات النارية أحيانا، إضافة إلى تعرض المرافق العامة والخاصة إلى الحرق والاختراق من قبل المتظاهرين أو من قبل ما يسمونهم بالمندسين، فقد بلغت حفلات العنف ذروتها عندما تم صلب صبي في ساحة الوثبة أمام آلاف المتظاهرين الأمر الذي ألمح إلى انحراف الاحتجاج نحو أبشع صور العنف. مرة أخرى، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات بدأت كمقاومة سلمية، وتحديداً ضد الوجود الإيراني في العراق، إلا أن هذا الوئام المؤقت سرعان ما انهار في مواجهة القمع الوحشي.
    تميزت الدورة الثالثة من الاحتجاجات العنيفة بأنها أضفت الطابع المؤسسي على تلك الاحتجاجات، وبشكل أكثر تحديدًا، تمكنت بعض القوى السياسية من الدخول كشريك في الحراك التشريني، وهي شراكة اعتبرها البعض ضرورية للحفاظ على زخم الحراك. ومن أبرز الأمثلة على ذلك نزول جماهير التيار الصدري إلى ساحات التظاهر، وكذلك ظهرت مجموعات صدرية منظمة أُطلق عليها اسم “أصحاب القبعات الزرقاء”، والتي بررت وجودها بأنه من أجل تأمين سلامة المعتصمين في ساحات الاحتجاج. ولكن، على الرغم من ذلك، لم يتمكنوا من كسب ثقة وقبول المحتجين الآخرين، فحصلت حالات تصادم دموية بينهم. ومع ذلك، اعتمد التيار الصدري على حراك تشرين كوسيلة لكسب الدعم الشعبي خارج قاعدته الحالية.
    في واقع الامر، استغل التيار الصدري “ثورة تشرين” وما رافقها من قمع وتخبط من قبل القوات الأمنية في العام 2019 كمبرر لتشكيل بؤرة احتجاج مسلح جديدة. وقد تجسد هذا الاحتجاج المسلح في أكثر من صورة، أبرزها ما شهدته المنطقة الدولية الخضراء من اقتحام مبنى البرلمان وتعطيل أعماله في تموز (يوليو) 2022، ثم محاولة دامية لاقتحام المنطقة الخضراء بقوة السلاح والاشتباك باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة في ليلة أرعبت سكان بغداد وخلفت أكثر من 34 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المهاجمين للمنطقة الخضراء والمدافعين عنها.
    في الحقيقة، رسخت الدورة الثالثة من الاحتجاج المسلح ضعف الدولة وعجزها بشكل كبير، ولوحت بتغيير جغرافية الحرب الأهلية من طائفية كما في دورة الاحتجاج المسلح الأولى قبل العام 2008 والثانية قبل 2017 إلى قتال بين أبناء الطائفة الشيعية الواحدة.
    كما أفرز الاحتجاج المسلح في العام 2022 تقليداً سياسيًا جديدًا وخطيرًا للغاية يقضى بضرورة امتلاك الأحزاب السياسية أذرعا مسلحة يمكن استخدامها كعامل قوة في كسب أصوات الناخبين وفي التفاوض السياسي، وفرض الإرادات وانتزاع التأييد وتعطيل أو حرف مسار المؤسسات السياسية. واليوم، تمتلك أغلب القوى السياسية العراقية الفاعلة أذرعاً مسلحة، بعضها قائم منذ فترة طويلة مثل “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني” اللذين يمتلكان قوات البشمركة، والتيار الصدري الذي يمتلك أجنحة مسلحة عدة، و”الإطار التنسيقي” الذي يضم كتائب “حزب الله” العراقية، وهي أقوى ميليشيا مسلحة تدعمها إيران. كما أن هناك ميليشيات عسكرية لا تملك أجنحة سياسية مثل كتائب “سيد الشهداء” وكتائب “الإمام علي” وكتائب النجباء.
    وفي الختام، ينبغي أن تكون ظاهرة الاحتجاج العنيف إحدى الأولويات المهمة على أجندة رئيس الوزراء الجديد، محمد شياع السوداني، الذي من المتوقع ألا يدخل في أي مواجهة مباشرة مع أي فصيل مسلح، لكنه سيسعى إلى استعادة مكانة الدولة وهيبتها. وفي هذا السياق، أعلن السوداني، في وقت سابق خلال فترة ترشحه، أن الحكومة ستعمل على ضبط السلاح المنتشر، وفرض سيادة الدولة، وتقييد أعداد الميليشيات والمجاميع المسلحة، وفرض قوة القانون على أي فصيل مسلح أو جهة تحمل السلاح وتمارس أدوارها بعيداً عن الدولة وسياق المؤسسات الأمنية. ولذلك، من المتوقع أن يعمل السوداني على التوصل إلى حلول مع الأحزاب والقوى التي تمتلك أجنحة مسلحة حتى يعيد للدولة اعتبارها، وذلك على الرغم من إدراكه صعوبة أن تتنازل هذه الأحزاب عن سلاحها من دون ضمانات ملموسة.
    مع ذلك، تؤكد هذه المراحل الثلاث من الاحتجاجات العنيفة في تاريخ العراق الحديث -خاصة احتجاجات تشرين 2019 التي كانت مؤثرة بشكل خاص- أن الاحتجاجات المشروعة يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة بسرعة فائقة عندما تشارك الجماعات المسلحة فيها. ومن المتوقع أن يستغرق السوداني والحكومة العراقية وقتا طويلا لتصحيح الأمور. ومع استمرار الدورة الثالثة من تلك الاحتجاجات العنيفة التي ما تزال نشطة، أصبح انتشار السلاح المنفلت والفصائل المسلحة يمثلان خطرا على العملية الديمقراطية بشكل متزايد. وفي مواجهة هذا الواقع، ينبغي على القوى السياسية المؤمنة بنظام ديمقراطي عراقي إيجاد سبل عملية لإخراج السلاح من المعادلة السياسية، والتوقف عن ربط العنف بالاحتجاج. وإلا فالكارثة بانتظارنا ما دام حوارنا ينساق إلى ثلاثية الدخان والنار والدماء.

*عباس سالم: كاتب وإعلامي عراقي يحمل شهادة الماجستير في العلوم السياسية. تولى مواقع عدة في مجال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. تنشر مقالاته في صحف متنوعة. له أربعة كتب مطبوعة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock