آخر الأخبار حياتناحياتنا

متى يكون العطاء مرهقا ومستنزفا لقوة أصحابه؟

ربى الرياحي

عمان – “لا تنحني فهناك من يتكئ عليك”.. تلك العبارة على الرغم من عمقها، غير أنها قد تحمل بعض القسوة وربما تسلب حق الشخص بأن يلتفت لنفسه ولحياته ولأشياء يقرر أن يتغاضى عنها في زحمة الأيام ومن أجل أن يبقى عكازا لكل من يعرفه.
في الحياة أشخاص يعيشون كل الحياة لغيرهم، وفي خضم ذلك ينكرون ذواتهم ويتخلون عن راحتهم وسعادتهم في سبيل إرضاء من يحبون.
العطاء لديهم نبع لا ينضب، يقررون أن يكونوا أقوياء من أجل من يتكئون عليهم، لكن أحيانا تأتي بعض العواصف وكأنها صفعات توقظ كل شيء، لتجتاحهم تساؤلات كثيرة عن الحال الذي وصلوا إليه.
تقف أم يزن (48 عاما) أمام سنوات العمر كيف انقضت كأم وزوجة حملت المسؤولية كاملة في غياب زوجها الذي مر على غربته أكثر من 20 عاما. صبرت كثيرا وتغاضت عن محطات كثيرة سببت الأوجاع لها واختارت الصمت، لم يكن أمامها خيار سوى أن تكون قوية صلبة تواجه الأزمات كلها بحكمة وصمت. كانت الأب والأم بالنسبة لأبنائها الثلاثة لم تتعب ولم تتذمر يوما بل كان عطاؤها سخيا لا يتوقف حبها لأسرتها وبيتها الذي سيّجته بالحنان والدفء هو وقود ذلك العطاء المفرط.
أم يزن وبعد مضي كل تلك السنوات باتت مدركة أنها لم تعش يوما من أجل نفسها لقد نسيت أنها تحتاج أن تلتفت لنفسها قليلا، أن تصغي لها، أن تفهمها، أن تستوعب تلك الصرخات التي كبتتها طويلا.
مواجهتها مع نفسها دفعتها لأن تعلن استسلامها ولو مؤقتا، ووسط حيرة أبنائها واستغراب زوجها، قررت أن تكتفي بدورها كأم فقط وتحاول أن تدرك ما فاتها علّها تستريح فالقوة لا تعني وفق ما تقول، “أن نبقى واقفين للأبد وكأنه ممنوع علينا أن نتعب أو ننحني.. فمهما كنا أقوياء سيأتي يوم ونشعر بأننا مستنزفون غير قادرين على العطاء بالطريقة نفسها”.
ويتفق معها زياد الذي بدأ يشعر مؤخرا أن العطاء قد يتحول أحيانا لواجب مفروض، وليس إحساسا نابعا من القلب. هو وبعد الأزمة الأخيرة التي ألمت بعائلته شعر بأن الحياة أرهقته بما فيه الكفاية وأنه كان مفرطا في كل شيء، نسي أن له حقوقا كما عليه واجبات.
زياد لم يفكر يوما بالمقابل فكان الملجأ والأمان والكتف الثابت للجميع؛ شخصيته القوية في كل المواقف ودعمه وإحساسه الدائم بمن حوله واعتقاده أنه المتكأ لمن لا سند له، كل ذلك شكل ضغطا كبيرا عليه جعله ينظر إلى الحياة نظرة مختلفة. متسائلا أين هو من كل ذلك؟ وإلى متى سيبقى يعيش من أجل غيره فقط؟ لكن خوفه من أن يتهمه أحد بالأنانية يحتم عليه أن يكون قويا حتى لو كان ذلك على حساب أعصابه وصحته ويمنعه من أن يتراجع أو يبدي ضعفه كإنسان طبيعي من حقه أن يتعب
ويذهب الاستشاري النفسي الأسري د. أحمد سريوي الى أن للإنسان في حياته أدوارا متعددة، مسؤوليات وواجبات عليه تأديتها وهناك المسؤول وهناك المتفاني في المسؤولية وهناك اللامسؤول والمفرط بالواجبات. وبين هذا وتلك، هنالك مساحة من الوسطية والاعتدال فالحياة دوماً بين أمرين؛ إما إفراط وإما تفريط وبينهما الوسطية وليس صحيحاً ولا صحيّاً للإنسان أن يتفانى في العطاء والبذل لدرجة ينسى بها نفسه واحتياجاته وطاقاته وقدرته على تحمل الضغوط وعليه.
والعطاء والبذل، وفق سريوي، يجب أن يكون ضمن حدود مقدرة الشخص على التحمل والاحتمال لا يُفرّط بالمسؤوليات ولا يُفرِط في تقديم الواجبات والوسطية ما دخلت شيء إلا زانته وعدلته.
ويرى الأخصائي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن هنالك من يتأثر كثيرا بهموم الآخرين وحاجاتهم لتأخذ جزءا كبيرا من وقته وتفكيره، مما قد يؤثر على عمله وأسرته ونفسيته. الإيثار وتقديم الآخرين على النفس صفات محببه، لكن المطلوب هو التوازن، فالنفس لها حق على صاحبها بأن لا يظلمها، فالموازنة بين الحقوق والواجبات أمر مهم وهي تحقق السعادة للجميع.
ويضيف سرحان؛ أن تمنح الآخرين مما عندك من مال وعطف لا يعني أن تهمل احتياجاتك الخاصة والأساسية، مما قد يسبب لك آثارا صحية ونفسية سلبية تؤثر على محيطك وتجعلك غير قادر على الاستمرار في العطاء مما يفقد الآخرين مصدرا للدعم والمساندة قد يصعب تعويضه.
بيد أن سرحان يؤكد أن الفرد لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، وفي ذلك تحقيق لمصلحة الجميع، ودرجة العطاء وخدمة الآخرين تختلف من شخص لآخر، وهي تعتمد على طبيعة الشخص، ونفسيته، وقدراته المالية والجسدية، وثقافته، وقناعاته وتربيته والبيئة التي يعيش فيها.
والعطاء له عدة أشكال، وفق سرحان، وليس بالضرورة أن يكون ماديا فقط، فالعطاء المعنوي والدعم النفسي والحضور الاجتماعي للشخص والمساهمة في حل مشاكل الآخرين والوقوف الى جانبهم، قد يكون أكثر حاجة في كثير من الأحيان.
وفي كل الأحوال، فإن مساعدة الآخرين والوقوف الى جانبهم أمر مطلوب وخلق رفيع، وتشعر صاحبها بالسرور والسعادة والراحة النفسية، والشعور بالامتنان.
واعتاد البعض أن يكرس جزءا من حياته للآخرين سواء الأقارب أو الأصدقاء أو أفراد المجتمع عموما، مثل هؤلاء الأشخاص يتمتعون بقدر كبير من الشعور مع الآخرين ورغبة لفعل الخير والمساهمة الإيجابية في المجتمع، وينظرون الى المجتمع بأنه جسد واحد ومن واجب الجميع حمايته والمبادرة إلى إصلاح أي خلل يصيبه.
ويبقى تعليم الأبناء وتوجيه الأصدقاء إلى خدمة الآخرين مسؤولية كبيرة لنشر هذه القيم بين الناس وتخفيف الأعباء عمن يقومون بهذه المهمات.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock