أفكار ومواقف

مجرد كلام

التفكير الإسلامي، أو على الأصح “الإسلاموي” -وليس الفكر الإسلامي- بحاجة إلى جراحة ناجحة في الدماغ المصاب بجلطة التكفير؛ لتجديده ليلائم العصر، وليس إلى جراحة مستحيلة في العصر ليلائم هذا التفكير.
إن لكل عصر تفكيره الخاص به، وقد انتهى تفكير الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- بانتهاء عصرهم، وحلول عصر بني أمية بتفكيره محله، والذي انتهى بدوره بفكر العصور العباسية، وهكذا وصولاً إلى العصر الحديث. نعم، قد تستمر بقايا فكر سابق في عصر لاحق، وقد يدعو نفر من الناس إلى استعادة فكر عصر سبق. لكن ذلك لا يتحقق ما لم تتم استعادة العصر نفسه، وهذا أمر مستحيل.
هذا في المقارنة عمودياً بين العصور لشعب أو أمة. أما في المقارنة بين الشعوب أو الأمم، فإننا ندرس العصور أفقياً لتفسير الفروق الحضارية بينها في الزمن أو العصر الواحد. وفي المقارنة بيننا وبين أوروبا في العصر الحديث، دعونا نلجأ إلى العامين 1516 و1517 وما بعدهما. ففي العام 1517 قاد مارتن لوثر حركة الاحتجاج ضد تعسف الكنيسة الكاثوليكية. وقد تحول الاحتجاج إلى حروب دينية مريرة في أوروبا استمرت نحو قرنين بين الكاثوليك والبروتستانت، ولكنها أسهمت بالنهاية في تحرير أوروبا من تعسف الكنيسة. وفي العام نفسه (1517)، وبينما كانت أوروبا تجري في المقدمة نحو النهضة والتنوير والثورة الصناعية، احتلت الدولة العثمانية سورية (1516) ومصر (1517). وقد استمر هذا الاحتلال أربعمائة سنة كاملة، ظل العرب خلالها نائمين وفي سبات عميق.
إذن، ففي هذا العصر حدثت المفارقة أو الثغرة الكبرى بيننا وبين الغرب. وهي وإن كانت تُسد بالاستهلاك لما يتساقط عن مائدته، إلا أن هذه المفارقة أو الثغرة الحضارية ما تزال قائمة وفي اتساع.
يظن الأميون والسذج من المسلمين، وإن كان بعضهم يحمل درجة الدكتوراه، أن لا تغيير حدث في التفكير الإسلامي أو الإسلاموي طيلة العصور، فنحن ما نزال عرباً ومسلمين وفي هذا الجزء من العالم مقيمون.
***
في مقال سابق، ذكرت -حسب شهادة زوار للصين شاهدوا بالعين وسمعوا بالأذن- أن العطلة في كثير من المصانع هناك هي يوم واحد في الشهر أو أسبوع واحد في السنة. أما في بلدنا العزيز، فتمتد العطلة نحو خمسة أشهر في السنة، وبخاصة عند العاملين في القطاع العام. فنحن نعطل يومين في الأسبوع؛ أي بمقدار مائة وأربعة أيام في السنة، يضاف إليها شهر كإجازة سنوية، ونحو شهر آخر من عطل المناسبات والأعياد والطقس، بالإضافة إلى عطل الأفراح والأتراح والمرض… ولهذه العطل الطويلة نتائج سلبية كثيرة وكبيرة، منها:
* تجعل الطلب على الوظيفة الحكومية شديداً. فبالإضافة إلى تلك العطل الطويلة، لا تبلغ الإنتاجية ساعة أو نصف ساعة في اليوم. هذا عدا عن الوجاهة أو السلطة التي يتمتع بها الموظف الحكومي -على مختلف درجات السلم- على المراجعين.
* توفر العطل بمعدل يومين في الأسبوع مزيداً من الوقت لمزيد من الاستهلاك، فيقضي المعطِلون (بكسر الطاء) وقتهم في التسوق، والإنصات للدعاية والإعلان والعروض والتنزيلات وملاحقتها. ولو كان ما تمتلئ به الأسواق و”المولات” من سلع إنتاجاً وطنياً، لكان الوضع أهون.
* تزيد من الازدحام المروري لدرجة تعطيل السير.
* تقليص الوقت المدرسي اللازم للتعليم والتعلم وممارسة النشاطات. فقد أدى توزيع الدروس على خمسة أيام بدلاً من ستة إلى إلغاء فترة الاستراحة بين الحصة والأخرى، مما يحول الأطفال إلى مساجين.
ومع هذا، فإن لهذه العطل حسنة عظيمة خافية على الناس، وهي أنها تجعل الأردن يبدو كأحد أعظم دول الرفاهية في العالم. وتكفي هذه العظمة مبرراً للعطل ولمزيد منها، فالبلدان المتقدمة تتفاخر بها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock