فكر وأديان

مجزرة نيوزلندا: الدلالات والعبر

د. أحمد ياسين القرالة

استيقظنا في الجمعة الماضية على وقع عمل إرهابي وجريمة بشعة ارتكبها شخص حاقد مشبع بالكراهية ومترع بالعنصرية حتى الثمالة، خرج به عن كل القواعد الإنسانية والأخلاقية، وانتهك كلّ المقدسات والمحرمات، نظراً لنوعية الضحايا الذين طالهم الاعتداء وطبيعة المكان الذي حصلت فيه الجريمة وعدد الشهداء الذين سقطوا فيه، والطريقة التي تمّ بها، والنفسية المشوهة التي سيطرت على منفذها.
وقد أكد هذا الفعل وطريقة تنفيذه بما لا يدع مجالاً للشك على براءة المسلمين من الإرهاب، وأنهم لم يكونوا يوماً مصدر خوف ولا رعب للعالم، إذ لو كانوا كذلك لما تمكن هذا المجرم من تنفيذ جريمته وقتل هذا العدد الكبير من الناس، وهو آمن مطمئن يتلذذ بتصوير فعلته وبثها للعالم ببرودة أعصاب وهدوء بالٍ، لو كان المسلمون إرهابيين ومرعبين لما استطاع هذا الوغد أن يعود مرةً ثانية ليجهز على من تبقى من الجرحى والمكلومين.
ما حصل جريمةٌ مروعةٌ لا يجوز بحال وصفها بغير الإرهاب، وأيُّ توصيف لها بغير ذلك هو كيل لها بغير مكيالها الحقيقي، مما يشكل استفزازاً للعواطف الإنسانية وتنكباً لدماء الشهداء وغطاءً للإرهاب ودعماً له.
ما كان لهذه الجريمة أن تحصل لولا الضخ الإعلامي الهائل الذي أدمن على تخويف العالم من المسلمين واعتبارهم عدواً للحضارة الغربية والنقيض المكافئ لها، وهي نتيجة طبيعية للخطاب الذي أنتجته نظريةُ صراع الحضارات وعقليةُ نهاية العالم، والذي سعى بكل الأساليب والطرق لتشويه صورة المسلمين وتأليب العالم عليهم، ووصمهم بالعنف والإرهاب.
إن الإصرار على وصف الإسلام دون غيره من الأديان بالإرهاب بعد كل فعل مروع يقوم به عربي أو مسلم لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشكلة وزيادة منسوب العنف والإرهاب؛ لأنه يمس مشاعر المسلمين كافةً ويطعن في دينهم وعقيدتهم، ويجعلهم كلّهم في خانة واحدة مما يحملهم على الاعتقاد بأن دينهم هو المستهدف، وحضارتهم هي المقصودة.
وفي المقابل إنه لمن الخطأ جداً تصنيف ما قام ذلك المجرم على أنه إرهاب مسيحي، أو المطالبة باعتباره إرهاباً مسيحياً؛ باعتبار أن من قام به شخص مسيحي؛ لأن ذلك يجعلنا نكيل بمكيال مختل ونقيس بمعيار مضطرب، لن يؤدي في النهاية إلا إلى المزيد من صناعة الأعداء، ويحرمنا من التعاطف العالمي والإنساني، ويرفع منسوب الكراهية والعنف ويزيد من عدد الضحايا.
لقد أظهر الشجبُ العالمي للجريمة والتنديد بها مقدار التعاطف مع الضحايا خاصةً في المجتمع النيوزلاندي، مما يوجب علينا استغلال هذا التعاطف وتعظيمه والتواصل معه خدمةً لقضايانا، ويحملُّنا مسؤولية كبيرة لمواجهة الإرهاب والتصدي له والامتناع عن تبريره وتسويغه، والسعي الحثيث للقضاء على علله وأسبابه وفي مقدمتها الظلم العالمي والاستكبار الأممي، مع ضرورة التأكيد على التمييز بينه وبين حقّ الشعوب في مقاومة المحتل الذي كفلته القوانين الوضعية والشرائع السماوية.
وعلى الجاليات الإسلامية في دول المهجر احترام قوانين وتقاليد تلك الدول، وتجنب إثارة النزاعات معها أو استثارة مخاوفها واستجلاب عداواتها، ومن الضروري أن يكون لهذه الجاليات فقهها الخاص الذي يتناسب مع ظروفها ويتوافق مع أحوالها.
لقد أدى هذا العمل البشع عن غير قصد من فاعله إلى زيادة منسوب التعاطف مع الإسلام وحفّز الكثيرين لمحاولة فهمه والتعرف عليه، والأهم من ذلك أنه حطّم نظرية احتكار المسلمين للإرهاب واعتباره علامةً تجاريةً خاصةً بهم، والتي تبنتها العديد من الدوائر العالمية والمؤسسات الإعلامية، فقد أثبت هذا الفعلُ أن الإرهاب لا دين له ولا عقيدة، وأنه العدو الأول للدين والإنسان.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock