أفكار ومواقف

مجلس أهلي للشؤون الخارجية

استطاعت السياسية الخارجية الأردنية تجاوز الكثير من التحولات الخطرة، ما يعكس التمتع بمهارات التكيف في عالم سريع التغير، ومحيط يفيض بالمفاجآت. لكن في الوقت نفسه، نجد هذه السياسة تغرق أحيانا “في شبر ماء” حينما نأتي إلى التفاصيل، ما يظهر أنها لم تجسّد خبرة واضحة المعالم تنتقل عبر الأجيال، كما تفتقد هذه السياسة بعض عناصر الكفاءة الفنية والإبداع في مناورات اللحظات الحرجة، رغم ان المفترض هو تعبيرها عن تفاعلات دولة توصف بالكثافة والحساسية العالية، والاعتماد المتبادل مع أطراف عديدة في تفاعلاتها السياسية، بفعل ما تفرضه الجغرافيا السياسية عليها من ادوار ووظائف بالغة الأهمية.


خلال السنوات القليلة الماضية ازدادت حدة تباينات السياسة الخارجية الأردنية، بفعل ازدياد الضغوط الخارجية، واتساع الفجوة بين متطلبات المصالح الوطنية ومتغيرات الإقليم من جهة، وبفعل ازدياد حراك التنمية السياسية المحلية وضعف المحتوى السياسي لمطالب المعارضة -الذي يكاد ينحصر في خيارات السياسة الخارجية وفي أجندة محددة- من جهة اخرى. وقد كشفت هذه الوقائع عن أعراض مرض تقليدي عادة ما تعانيه النظم السياسية في مرحلة بناء الدولة، ويتمثل في شدة تركيز مصادر السياسة الخارجية واحتكارها من قبل المراكز السيادية للدولة. يضاف إلى ذلك في الحالة الأردنية، ان ضيق مساحة المناورة الخارجية في المرحلة الأخيرة كشف، هو الآخر، عن فجوة واسعة بين تطلعات قمة القيادة وبين الأدوات التنفيذية التي مازالت على حالها، تجرب وتبدل وتعدل في نفس العدة والعتاد القديم.


ولان السياسة الخارجية في معظم دول العالم ترتبط بصورة الدولة والوطن أكثر من سلوك حكومة ما، وتعد حلقة صلبة من حلقات المصالح الوطنية، فإن مهمة مراقبة السياسة الخارجية للدولة وتقويمها، ومحاولة سد ما قد يظهر فيها من فجوات، وحمايتها وصيانتها، هي مهمة اكبر من ان تترك للحكومات وحدها، أو لمعارضة سياسية غير متفقة على رؤية واضحة للمصالح الوطنية في حلقتها الخارجية، لتبرز من ثم أهمية وضرورة توسيع قاعدة مصادر هذه السياسة وتنويعها كمصلحة وطنية حقيقة، والمقصود هنا العمل على تنمية دور المجتمع الأهلي في بناء أطر مؤسسية تُعنى بالسياسة الخارجية للدولة.


لعل أول هذه الأطر هو إنشاء إطار مؤسسي مدني غير رسمي مستقل يُعنى بالسياسة الخارجية، على هيئة مؤسسة مستقلة “المجلس الأردني للشؤون الخارجية”، يجمع بعض الخبرات الوطنية من أجيال الدبلوماسيين المتقاعدين، وخبراء السياسة الدولية، والاكاديميين المتخصصين، ورموز وقوى سياسية واجتماعية، فيكون هذا المجلس عينا داخلية على السياسة الخارجية، يقومها ويراقبها، ويضع الرأي العام الأردني بصورة سلوك الحكومة الخارجي ومدى اقترابه أو ابتعاده عن مصالح الدولة في هذه اللحظة أو تلك. كما يكون هذا المجلس، في نفس الوقت، يد الدولة الأخرى حينما يصبح هذا الاطار ذراعاً مؤسسياً للدبلوماسية الشعبية في الخارج، تفتح الأبواب الموصدة أمام الدبلوماسية الرسمية.


لقد منيت السياسة الخارجية الأردنية بخسائر متتالية خلال مرحلة المخاض الصعب الذي تشهده المنطقة منذ سنوات، بعضها ارتبط بسوء التقدير، وبعضها الآخر ارتبط بأخطاء فنية، أو كان نتيجة ضعف وسائل التعبئة حينما تضطر الحكومات إلى اتخاذ سياسات خارجية غير شعبية.


وعلى كل الأحوال، فمنذ أزمة ما سمي “مبادرة التطبيع الأردنية” في مؤتمر الجزائر، مروراً بأزمة العلاقة مع حكومة حماس وتفاعلات الحرب الإسرائيلية على لبنان، إلى فشل ترشيحات شخصيات أردنية لمناصب دولية، لم تجد هذه “الأزمات” التقويم الموضوعي أو المتابعة المؤسسية، في المقابل يغيب دور الدبلوماسية الشعبية في سد ثغرات السياسة الخارجية الرسمية. ولعل دروس الماضي القريب تفيد بمدى قيمة الدور الذي يمكن ان تلعبه الدبلوماسية الشعبية الأردنية في الحفاظ على المصالح الوطنية، وخلق حالة من التوازن مع السياسة الرسمية.


آن الأوان لإطلاق مبادرة وطنية لمأسسة جهد أهلي مدني يعضد المصالح الوطنية الخارجية، ويضع المجتمع المدني الأردني على طريقه الصحيحة؛ فالمجتمع المدني في جوهره أداة اخرى للوصول إلى المصالح الوطنية، وليس مجرد نخب متقاعدة، يقف بعضها بأبواب السفارات والمؤسسات الأجنبية.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تعليق
    اعتقد ان السياسة الخارجية للدولة الاردنيةسياسة ناجحة لكن الدبلماسيةالاردنية لم تكن ناجحة في يوم من الايام وذلك لان القيادةالعليا تمتلك رؤية على مستوى عال من التخطيط والنظر للمصالح العليا لكن تعجز الحكومات من تكملة دور القيادة عبر التفاعلات والنشاطات المختلفة وهو الدور المطلوب منهاوهذا يشير لفشل الدبلماسية.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock