أفكار ومواقفرأي اقتصادي

مجلس الأعيان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قانون العمل


أما وقد وصل القانون المعدل للعمل الى مجلس الأعيان وبدأت لجانه المختصة بمناقشته، كلنا أمل من مجلس الأعيان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه على التعديلات التي أجرتها الحكومة وأقرها مجلس النواب قبل أسابيع، والتي في حال المضي في إقرارها ستعمق الاختلالات الاجتماعية وتضرب توازنات علاقات العمل وستؤثر سلبا على سمعة ومكانة الأردن الدولية.
خلاصة ما قام به مجلس النواب على قانون العمل بتشجيع من الحكومة يتمثل في تكريس القيود على تشكيل نقابات عمالية تدافع عن مصالحهم بحسب المادة 98، الى جانب حرمان العاملين الذين ليس لديهم نقابات من المفاوضة الجماعية في المادة 44، وحرمانهم من الاستفادة من أدوات فض النزاعات الجماعية في المادة الثانية.
وبعيدا عن أن التعديلات التي أجرتها الحكومة على قانون العمل وأقرها مجلس النواب تشكل انتهاكات صارخة لمعايير العمل الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، فهذا المدخل ليس له مستمعون لدى الغالبية الكبيرة من المشرعين وصناع القرار.
فقط أود التذكير بأن التعديلات التي أجريت على المواد المتعلقة بتعريف النزاع العمالي والمفاوضة الجماعية والتنظيم النقابي، ستؤثر سلبا على مستقبل علاقات العمل وظروف العمل في الأردن، وستدفع العاملين الى مزيد من الاحتجاجات بسبب إغلاق أبواب الحوار والمفاوضة الجماعية أمامهم.
ويمكن كذلك أن تؤثر سلبا على مستقبل الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها الحكومات الأردنية المتعاقبة مع العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية، وعلى مستقبل اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
فالإطار البيئي والاجتماعي للبنك الدولي والذي يمول في الوقت الراهن مشاريع تقارب قيمتها 550 مليون دولار في الأردن، يلزم إدارات المشاريع سواء كانت حكومات أم قطاعا خاصا بالتعامل مع ممثلي العاملين سواء كان القانون الوطني يسمح بتشكيل نقابات أم يقيدها.
والسياسة البيئية والاجتماعية للبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير والذي يمول مشاريع في الأردن تزيد على مليار يورو في الوقت الراهن، تلزم إدارات المشاريع الممولة من قبله بتأسيس آليات مستقلة للعمال للتعبير عن مظالمهم وحماية حقوقهم في حال قيد القانون الوطني تشكيل النقابات.
يضاف الى ذلك أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والتي يتم بموجبها تصدير سلع الى الولايات المتحدة بما يقارب مليار ونصف مليار دولار سنويا، تتضمن بنودا تلزم الأردن بتمكين العاملين من حقهم في تشكيل النقابات والمفاوضة الجماعية وفق معايير منظمة العمل الدولية.
وفوق كل ذلك، فإن منظمة التجارة العالمية لديها معايير واضحة تلزم فيها الدول الأعضاء باحترام معايير العمل كافة، ومنها حق العاملين في تشكيل نقاباتهم والمفاوضة الجماعية وفق معايير منظمة العمل الدولية. في حين أن برنامج العمل اللائق الثالث الذي وقعته الحكومة مؤخرا مع منظمة العمل الدولية يتضمن محورا أساسيا لضمان حرية العاملين في تشكيل نقابات عمالية، وتمكنهم من المفاوضة الجماعية مع أصحاب الأعمال حول شروط عملهم.
هنالك تداعيات خطيرة محتملة على سمعة الأردن في المحافل الدولية ولدى المؤسسات الاقتصادية الدولية والتي يمكن أن تؤثر سلبا على مستقبل بعض الاتفاقيات الاقتصادية بما فيها التجارية، في حال لو تعرض الأردن لحملات مقاطعة للسلع المصدرة منه خاصة الى الأسواق الأميركية وفق اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.
والأخطر من ذلك أن الأردن يمكن أن يتعرض لحملات لوضع اسمه على القائمة السوداء من قبل لجنة معايير العمل في منظمة العمل الدولية، في حال استمرت القيود على ما هي عليه، خاصة وأن لجنة المعايير أرسلت للحكومة رسائل عدة بهذا الخصوص، والحكومة لم تستجب لذلك.
وفي هذا السياق، أرسل الاتحاد الدولي للنقابات العمالية، مؤخرا، رسالة مطولة لرئيس الوزراء يطالب فيها الحكومة بضمان حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية في قانون العمل، والتجارب السابقة تفيد أن عدم الاستجابة لمطالب وانتقادات هذه المؤسسات، يعرض الدول لحملات انتقاد ومقاطعة عالمية، يمكن أن تؤثر سلبا على سمعة الأردن ومكانته العالمية.
وزارة العمل المعنية بهذا الملف مغمضة عينيها عما يجري، ولا تريد أن ترى المخاطر التي تترتب على تجاهل هذه الإشكاليات، وما تزال متمسكة بفرضيتها الخاطئة التي تقول إن تمكين العمال من تشكيل نقابات وفق المعايير الدولية من شأنه إعاقة الاستثمار، مع أن أكثر الدول جلبا للاستثمارات هي الدول التي تحترم معايير العمل بما فيها تشكيل النقابات والمفاوضة الجماعية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock