أفكار ومواقف

محاذير جديّة من “كوفيد 19”..!

لم تتوقف التحذيرات من عودة ثانية أكثر شراسة لـ»كوفيد 19» في الأماكن التي تراجع فيها. وبرهن هذا الفيروس في كل مرة أنه ماكر جدا، ينسل من أضيق الثغرات ويقوض جهود الحكومات بسهولة، مهما كانت قوة الدول وأموالها وخططها. وحذر الكثيرون بشكل خاص من عودة الوباء في الأردن، الذي تمكّن من احتواء التفشي أكثر من غيره في محيط ضربه الوباء بقوة. ومع ذلك، كانت «الموجة الثانية» حتمية، لأن خطأ ما لا بد أن يقع، من الجهات المسؤولة أو المواطنين. ويكفي لتسلل المرض تساهل موظف واحد في الحدود مع دخول مصاب أو أكثر، ولانتشاره أن يقيم مواطن حفل عرس أو نجاحا أو مأدبة يحضره مصاب واحد. وبغير ذلك، كان الأردن سيصنع المستحيل لو أنه احتفظ بصفر إصابات مع التراخي الواضح هنا وهناك، وقلة حذر المشككين والمنكرين من الناس وموظفي الدولة.
لم يعد أحد يجهل الأضرار الاقتصادية والنفسية العميقة التي تصيب البلدان المضروبة بالوباء، وقد عاينّا نحن في الأردن هذه الأضرار ولم يكد ينجو منها أحد. ومثل كل الدول، خلصت الحكومة والناس إلى أن استمرار الإغلاقات والحظر ليس خيارا، حيث الذي لا يموت بالوباء سيموت جوعا. وسمح الوضع الوبائي بفتح القطاعات بعد الاحتواء الأول -وإنما بتوصيات جدية بتطبيق تدابير الوقاية وتوخي الحذر، سواء على مستوى الإجراءات الحكومية، أو سلوك المواطنين. وللأسف، كان واضحا أن الالتزام بالتوصيات لم يكن جيدا على أي مستوى. وبدت عودة الوباء مسألة وقت فقط، وقد عاد.
أرقام الإصابات والوفيات في البلد في الأسبوعين الأخيرين تقول إن هذه الموجة أشد من الأولى، وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة تجنب الحظر الشامل وتطبيقه بصرامة قدر الإمكان. ومن المعروف أن الإغلاقات والحظر هي الطريقة التي نجحنا بها في احتواء الموجة الأولى. وكانت الصين، المعروفة بصرامة إجراءاتها والتزام مواطنيها –طوعا أو غير ذلك- بالتعليمات، هي النموذج للدول التي احتوت الوباء. وبمراقبة ما يحدث في الأماكن الأخرى، لا نعرف كم يمكن أن نصمد قبل العودة إلى إجراءات أشد، وما هي الكلفة التي ستترتب من ازدياد الإصابات والوفيات والضغط على الخدمات الصحية، مع استمرار التهرب من أقنعة الوجه والتحايل لإقامة التجمعات والاتصال غير الضروري، والثغرات في رقابة الدولة.
الملفت أن الناس هنا يستهينون بخبرة الإصابة بالمرض نفسها، وكأنها حقا مزحة أو رشح خفيف. وفي الحقيقة، ليست أعداد الوفيات في العالم كبيرة قياسا إلى عدد الإصابات، وهناك أشخاص يصابون ولا تظهر عليهم أعراض أو يختبرون أعراضا خفيفة. لكنّ هناك الذين يتعذبون جدا من الإصابة، ويصلون إلى حافة الموت، أو يعبرونها بطرق بالغة السوء.
لقد شاهدنا جميعا ما حدث في بعض الدول التي انهارت أنظمتها الصحية تحت ضغط الإصابات، حين لم تكن أجهزة التنفس الاصطناعي تكفي للمصابين ذوي الحالات الحرجة، وخاصة المسنين والمصابين بأمراض مزمنة، وتُرك بعضهم ليموتوا من دون فرصة في العلاج. وقد تعذّب الأطباء الذين كان عليهم تقرير مَن يعيش ومَن يموت. وهناك الذين نجوا من إصابة شديدة بالمرض، لكنهم تحدثوا عن خبرة لا يريدها أحد. وتقول مريضة في الثلاثين من العمر، أنها لم تستطع، بسبب شدة الأعراض، أن تتصل بالهاتف لطلب المساعدة، أو حتى أن تنادي على أبويها في غرفة مجاورة، قبل أن تصاب بالإغماء. ويكفي مجرد تصور عجز المرء عن التنفس أن يصيب بالاختناق.
حسب الدراسات، يضرب الفيروس أعضاء مختلفة ومهمة من الجسم ويؤذيها، مثل الرئتين، والقلب، والكلى، والدماغ. وحسب تقرير حديث، فإن بعض الناجين من «كوفيد 19» لا يتعافون بعد الإصابة به من آثاره لوقت طويل، ويمكن ألا يتعافوا منها أبدا. وهم يشتكون من ضيق التنفس، والإجهاد، وفقدان حاستي الشم والتذوق، وضبابية العقل.
بل إن مجرد التعرض للعزل، وارتباك العائلة والجيران، والخوف من تسبب المرء بإصابة الآخرين، وعزل بنايته وحيه وإغلاق مكان عمله والإضرار بزملائه، تجعل من الإصابة شيئا غير سار. وسوف يضر تراكم الإصابات حتما بالبلد والجميع بلا استثناء. ومع ذلك، ثمة الكثيرون، من المواطنين وأجهزة الرقابة، الذين لا يتعاملون بجدية مع الوباء، حتى كجزء من الدفاع الغريزي عن الذات. وهنا يكمن الخطر.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock