أفكار ومواقف

محاكمتي ليست عادلة , استندت على الاستنتاجات وليس الأدلة

لا أعرف إن كان العالم قد اطلع على نص الحكم الصادر في القضية رقم 35/01 أم لا؟ أنا أشك في ذلك كثيرا، لأن التعليقات في وسائل الإعلام انتهت في اليوم الثاني أو الثالث على صدور الحكم وكأن شيئا لم يكن. نص الحكم يشير، بشكل صريح وواضح، إلى أنه اعتمد على ما أسماه بالمؤشرات أو الغرائز وليس الأدلة، أي أنهم حكموا على ثمانية عشر شخصا بأحكام تتراوح بين 27 و6 سنوات دون وجود أدلة على الإطلاق، وإنما اعتمدوا على المؤشرات التي قادت المحكمة إلى استنتاج خاص بها ولم يكن ينطبق على الواقع طبعا.


كانت هناك لفتات ظريفة وغريبة. فمثلا، حكموا على المتهم الرئيس عماد بركات أبو الدحداح بـ27 سنة، منها 12 سنة لانتمائه إلى تنظيم إرهابي بصفة قيادية، و15 سنة بتهمة التآمر لتنفيذ عمل إرهابي. ونص الحكم نفسه يسوق تعريفا قانونيا لمصطلح التآمر، يعود إلى عهد الدكتاتور فرانكو، بقوله: “هو اتفاق بين شخصين أو أكثر على تنفيذ عمل إجرامي.. إلخ”. هذا مستخرج من نص الحكم، والسؤال هو: أين هذان الشخصان أو أكثر طالما أنه لم يثبت أي اتصال لأبو الدحداح بأحد منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولا حتى بأحد من قياديي القاعدة. لقد كانت كلها افتراضات، وحكموا على الرجل ظلما وعدوانا تحت عنوان التآمر.


الأحكام التي صدرت بتهمة الانتماء إلى عضوية عصابة إرهابية شملت بقية المتهمين، وكانت المؤشرات التي استندت إليها المحكمة في معظمها تدور حول سفر الشخص إلى البوسنة أو الشيشان أو أفغانستان للمشاركة إلى جانب المسلمين في حروب الاضطهاد الجارية ضدهم. طبعا، بعض المتهمين حُكموا لأنهم “نووا” السفر، أي حصلوا على التأشيرة ولم يسافروا.


حالة أخرى تكررت كثيرا مع عدد من المتهمين، وهي أن اثنين منهم لم يثبت عليهما بأنهما قاما بعمل معين. الأول يبرر هذا العمل ويقدم إيضاحات للمحكمة فتقبلها منه وتبرئ ساحته، بينما يقدم الآخر نفس الإيضاحات -وبالوثائق أحيانا- فلا تقبل المحكمة هذه الإيضاحات مع أن الحالات متطابقة.


في مرحلة ما من حيثيات قرار الاتهام، أعلن القاضي أنه سيستبعد الأخذ بالمكالمات الهاتفية، مع أنه يعتبرها بشكل صريح غير قانونية وتخرق الدستور، ومع ذلك يأخذ بها لإدانة بعض المتهمين، وهذا ما حصل معي بالضبط. كذلك، قررت المحكمة عدم اعتماد شهادة رئيس وحدة الاستخبارات الخارجية، رافائيل فيور، بسبب تناقضها، وبسبب ثبوت جهله وكذبه، ومع ذلك اعتمد قرار الإدانة على كثير من أقواله التي لا تعززها الأدلة، وهذا حصل معي أيضا.


الاتهام الرئيس الذي وجه لي هو أنني أقمت علاقات مع أعضاء في القاعدة، واثنين تحديدا هما محمد بهايا ومصطفى ست مريم، وأنني “قدمت لهم خدمات من أجل الحصول على سبق صحافي”، وهذا نص قرار الإدانة. بالنسبة لبهايا، يقول القرار بأنني ساعدته في الحصول على تجديد رخصة إقامته العام 1998 عندما سمحت له أن يقدم عنوان منزلي من أجل استلام أي تبليغات تصدر إليه من دائرة الإقامة، ثم أنني نقلت له مبلغ 4000 دولار إلى أفغانستان كانت دينا له على شريك له في تركيا.


طبعا، النقطة الأولى أوضحتها بالوثائق بعد أن كتب الشخص الذي أرسل المبلغ من تركيا اعترافا أمام كاتب بالعدل يقر فيه أن المبلغ هو بقية ثمن المنزل وأثاث المنزل الذي باعته زوجة بهايا في إسطنبول قبل مغادرتها تركيا، وبقي هذا المبلغ ليحصله الشريك الذي أرسل كتابا وافيا بهذا المعنى، وأن المبلغ يعود إلى زوجة بهايا وليس إلى بهايا. أما تقديم عنوان منزلي ليتلقى عليه التبليغات، فهي ممارسة عادية بين العرب الذين ليس لديهم مقر إقامة ثابت، وهو كان مقيما في إسبانيا ثم انتقل إلى تركيا ثم جاء إلى إسبانيا لتجديد الإقامة بغرض العودة للإقامة مع عائلته في إسبانيا، وكان ينوي تجديد الإقامة ثم العودة إلى تركيا لإحضار عائلته. كل هذه الإيضاحات لم تكف المحكمة! ثم أين هي الجريمة في ذلك طالما أنني لم أدفع شيئا للرجل؟


بالنسبة لمصطفى ست مريم، يقول القرار إنني قدمت له خدمات، ولكنه لا يحدد ما هي هذه الخدمات! فقط يقول قدم له خدمات، وفقط أشار إلى أنني استضفته مرة في بيتي هو وعائلته في أوائل التسعينات، ثم التقيت به في أفغانستان وسهل لي مقابلة مع بن لادن.  طبعا أوضحت للمحكمة بالأدلة والوثائق أن ست مريم وبهايا لا ينتميان إلى القاعدة، بل ويعتبر ست مريم من أشد منتقدي بن لادن وأساليب القاعدة، ودليل ذلك هو مقابلة أجرتها معه الجزيرة العام 2000، ثم الكتاب الذي أصدره مؤخرا ونشرت صحيفة الحياة ملخصا عنه. وقد قدمت كل هذه الوثائق إلى المحكمة لكنهم لم يقتنعوا!


المدعي العام قال في مرافعته الأخيرة إنه “كان يشك كثيرا في إدانتي إلى أن سمع اعترافاتي في المحكمة، وبدا وكأنه يقابل أو يجري مقابلة مع رئيسه”. وهذا كلام استغربه الجميع في حينها، حتى القضاة، لأنه لا يوجد أحد من الحاضرين استمع إلى المقابلة سواي، فكيف توصل إلى هذا الاستنتاج؟! لا أحد يدري! طبعا، المحكمة تجاهلت هذا الكلام، ولم تذكره في قرار الإدانة لأنه سخيف، بل ركزت على علاقتي ببهايا وست مريم التي أوضحت لهم، ولقاضي التحقيق من قبلهم، أنها علاقة من تلك التي تقوم بين أبناء البلد الواحد في الغربة، وكذلك الأمر بعلاقتي مع أبو الدحداح واثنين من المتهمين الآخرين، أما البقية فلا أعرفهم إلا بوجوههم، وبعضهم التقيت به لأول مرة في صالة المحكمة.


بهايا وست مريم التقيت بهما في أفغانستان لمرات محدودة، وكان لقاء أبناء البلد الواحد في الغربة كذلك، واستفدت مما لديهما من معلومات عن طالبان وعن الأفغان العرب. ولم يكونا المصدر الوحيد لمعلوماتي، فبعد بضعة أشهر من الإقامة في كابل استطعت تكوين علاقات مفيدة مع مسؤولين في طالبان وفروا لي معلومات كثيرة، كما أنني كنت أتابع الأخبار شخصيا وعبر الكاميرا.


المقابلة التي أجريتها مع بن لادن لم يتوسط فيها ست مريم ولا غيره، كما يقول قرار الإدانة، بل إن بن لادن هو الذي حدد مكانها وزمانها وكانت مفاجئة. هذا الكلام وغيره قلته ورددته مرارا في المقابلات الصحافية الكثيرة التي أجريت معي، ولكن القضاء الإسباني يبدو أن له معاييره واستنتاجاته الخاصة. وكان الهدف هو إدانتي بأي ثمن وبأي طريقة، وسوف نرى ما ستقوله المحكمة العليا في كل هذه التلفيقات التي لا أساس لها سوى اجتهاد رئيس المحكمة.


طبعا أنا أوضحت من قبل أن المراقبة لم تبدأ علي إلا في أواخر العام 1999، عندما تكثفت اتصالاتي مع الجزيرة لافتتاح مكتب في كابل، وقد أحيلت نتائج المراقبة إلى الأرشيف لعدم وجود أي شبهة. وبالنتيجة، أنا واثق تمام الثقة أن سبب إدانتي وسجني هو عملي الصحافي الذي أزعج كثيرا من الجهات، وسيثبت ذلك في المستقبل إن شاء الله.


وأكرر القول، إنني سأقوم بالعمل نفسه وبالطريقة نفسها ربما لو تكررت الظروف نفسها، ودعهم يدينوني بمعاييرهم ومقاييسهم العوجاء التي أصبحت تستهدف العرب والمسلمين، بغض النظر عن صحة الاتهامات وبغض النظر عن وجود الأدلة من عدمها. هناك ترجمة للنواحي الخاصة بي في قرار الاتهام أرجو أن تترجم وتنشر لكي يطلع العالم على انحطاط هذه القوانين والمحاكم الاستثنائية.


أخيرا وليس آخرا، كنت دائما أتلقى مؤشرات إيجابية على أنهم سيحكمون ببراءتي، وليس آخر هذه المؤشرات هو إطلاق سراحي بدون كفالة في بداية المحاكمة. فقد تلقيت عبر بعض الأصدقاء والزملاء والمحامين الذين يتحدثون مع القضاة، كثيرا من المؤشرات الإيجابية، لكن المؤشر الإيجابي الأكثر صحة هو أنه لا يوجد دليل يمكن إدانتي من خلاله. لكنني، مع ذلك، وزوجتي فاطمة تعرف ذلك، لم أكن مرتاحا، وكان هناك شيء في داخلي يقول لي إنهم سيدينونني! ولعل بعض الذين خابروني عبر الهاتف أيضا لاحظوا ذلك من خلال تعليقاتي، فقد كنت أقول للجميع إن المؤشرات إيجابية ولكنني غير مطمئن.


كنا قررنا، فاطمة وأنا، أن نجهز حقيبة السجن عندما نذهب إلى المحاكمة، وكانت أغراضي الخاصة بالسجن جاهزة، ولم يكن الأمر يتطلب سوى وضعها في الحقيبة عندما اعتقلوني آخر مرة وهذا ما حصل. الإدانة ليست قضائية بل هي سياسية، وكل من يقول غير هذا الكلام عليه أن يأتي بالدليل، وهذا الدليل عجزت المحكمة عن تقديمه واكتفت بالمؤشرات والقرائن من أجل إدانتي.


دخلت السجن برأس مرفوع، وسيبقى رأسي مرفوعا إن شاء الله حتى مماتي، لأنني لم أفعل أي شيء يستوجب أن أحني رأسي. وأنا أحتقر هذا الحكم لأنه سياسي، وأحتقر معه القوانين والمحاكم الاستثنائية في كل مكان. وكل من يقول إن إسبانيا دولة قانون هو واهم، وعليه أن يعيد حساباته، وكل العرب والمسلمين في هذا البلد معرضون لإساءة المعاملة والأحكام الظالمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock