في عزلتهم

محمد العامري: الأغوار موسيقى الروح وقصيدة الرياح

عزيزة علي

عمان– محمد العامري؛ يندفع مثل وعل رشيق في برية اللون، يتوقف أيضا على حواف النهر، ليسأله عن القصائد والأغاني، تلك التي تبعث في نايه شوق العاشق في سهوب الغناء.

– أي الأمكنة التي تجتاحك رائحتها الآن، وترغب في أن تقضي عزلة مؤقتة فيها؟
العزلة طقس ضروري لأي مبدع لديه مشروعه الإبداعي، كوننا نحتاج إلى تجليات لا يمكن أن تتحقق، لا عبر العزلة ومراجعة المخيال وتحفيزه لإنتاج أفكار جديدة، والمكان الذي يجتاحني إلى حد الإغماء هو “البيارة” التي تنام بجانب النهر- نهر الأردن، بحيث أرى هناك كل تفاصيل الجمال وعفويته التي تثيرني، لإنتاج نصوص تشبه حركة القصب على جسد الماء.
أذهب إلى أمكنة الطفولة في الأغوار، حيث أصوات الطيور التي تتناغم وجغرافيا الماء وتفاصيل الهشير، حين يخبئ في عبه طيور الفري، أشاهد قناديل البرتقال وهي تتدلى من خضرة الشجرة، كما لو أنني في حضرة صوفية تنتجها تلك الطبيعة المجنونة. كل أسبوع أذهب إلى هناك لأشتم رائحة طمي النهر وحركة البط الهادئة على جسد الماء، أرصد حركة ظلال الطرفاء وهي تتحرك في النهر، كما لو أنها رقصة سرمدية لا تنتهي. إن ما يثيرني في تلك المناطق تلك الروائح التي تنبعث من أشجار البرتقال كما لو أنها عطور طبيعية، تنفذ إلى ذاكرتي وتعيدني إلى طفولتي الزراعية التي تسكن في نفسي إلى هذه الساعة.
هي ساعة من سير ومشي للرائحة في خطوط الأرض، تدخل إلى روحي بلا استئذان، وتفجر في دواخلي لغة لا يمكن للمدينة أن تحققها، فالعين هناك لها مديات مطلقة، لا تصطدم بجدران اسمنتية، أشعر بأنني حر طليق، أتلمس جذع الشجرة وأشمها كما أمي.
الطريق إلى “البيارة” يشبه الحلم، لا صراخ ولا أصوات للعربات، هناك سكينة الروح، وانطلاقها الحر كنسر يمتلك جغرافيا السماء، أهرب من المدينة إلى المزرعة حيث الحقيقة الجمالية وحيث بساطة الأشياء وعمقها.

• في مثل تلك العزلة، ثمة كتاب تحن إلى قراءته بهدوء، أي الكتب تود مرافقتك هناك؟
يرافقني في هذه الرحلة ليلا كتاب “شاعرية أحلام اليقظة” للفرنسي غاستون باشلار؛ حيث يفتح لي منافذ جديدة في طريقة التفكير بالظواهر الجمالية، وكتاب “جماليات المكان” الذي ترجمه الراحل غالب هلسا أيضا إلى باشلار.

• في العزلة، نحتاج لصفاء تام. يقال إن الموسيقى تأخذنا إليه، فأي موسيقى تهدهد روحك هناك؟
أهم المقطوعات الموسيقية التي أحب سماعها وحدي هي معزوفة الذهاب إلى الجنة لفانجلز، فهي موسيقى كونية أستمدها من حركة الطبيعة، تفتح لسامعها مناخات عاطفية مذهلة، أشعر عند سماعها بمحاولات جادة للطيران؛ حيث تصبح الروح أكثر رشاقة وجمالا. موسيقى سائلة ولذيذة تتسلل إلى أذني لتشنفها بغطبة غامضة لا يمكن القبض على وصفها.

• ما هي أجمل الصور التي تحب أن تراها في عزلتك؟
في العزلة تكون الأشياء أكثر إشراقا ونقاء؛ حيث تتحدر الأشياء صافية ونقية، تدعوك إلى الاستسلام لها لأنها تكون غائبة في الفوضى وتحضرك في عزلتك، في عزلتي أحب أن أعيش مع أشكالي التي أرسمها بالأسود والأبيض، دائما يرافقني القلم الأسود ودفتر الرسم؛ حيث تتخلق أشكال لم أعتد على رسمها وتحبيرها، أحب أن أعيش مع تلك الأشكال التي تتجاور في الغالب مع النص على الورقة نفسها؛ حيث يتحول دفتر الرسم إلى مكان للعيش والسؤال الكبير حول الوجود وماهية ما نفعل في منطقة الإبداع، وإذا ضجرت من تلك المنطقة أحب أن أشاهد فيلما عن الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو، التي واصلت الفعل الإبداعي رغم إعاقتها الكبيرة، فريدا كاهلو تعطيني ألفة وتكسر العزلة وتقدم نموذجا لقوة الإنسان في مواصلة الفعل الحياتي.

• ستكون وحيدا، لو جنت العزلة ورفضت بقاءك مع نفسك وكتابك وموسيقاك، فأي الأشخاص تختار أن يكون قريبا منك؟
إن العزلة تشكل لي ضرورة كالضرورة التي يطمح إليها المتصوف، إنها المنطقة البيضاء التي نكتب على صفحاتها الأحلام الرائية.
وبعيدا عن أشيائي، أقرب شخص أحب أن أكون بجانبه أخي الفنان جهاد العامري في المرسم، هناك نلتقي كي نقول الأسئلة حول الفن والحياة، وغالبا ما تكون التساؤلات أقرب إلى وصف الواقع البائس للحراك الثقافي وبدايات التراجع في القيم الثقافية، نتحاور حول التجارب العربية ونقارنها بما يحدث في الساحة الأردنية، نحاول أن نفعل شيئا ذا أهمية عبر الحوار الشفاف في ماهية الإبداع والإضافات الإبداعية، ما يكسر العزلة هو الطموح المشروع في مواصلة فعل الحياة، وعدم الاستسلام للسلبي فيها.

• العامري شاعر وناقد وفنان تشكيلي أقام العديد من المعارض الفنية، فاز بجائزة الشاعر عبدالرحيم عمر لأفضل ديوان 1995، وجائزة لوركا للرسم من المركز الثقافي الإسباني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock