فكر وأديان

“محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم”

د. محمد المجالي

بمناسبة ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة، الذي اختاره الله من بين العالمين ليكون خاتم المرسلين، ولتكون أمته كذلك آخر الأمم، وكتابها آخر الكتب، فهي أمة متميزة بمواصفات كثيرة، فجعل الله ميلاد هذا النبي ميلاد أمة، حري بأفرادها أن يهيئوا أنفسهم لمسؤولياتهم العظيمة، حين شرّفهم الله بهذا القرآن وهذا النبي وهذه الرسالة.
تتبعت ذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن، فوجدته ذُكِر أربع مرات باسمه (محمد)، ومرة واحدة باسمه (أحمد)، عدا عن مواضع كثيرة ورد فيها بصفة العبودية أو الرسالة أو النبوة، وهذه المواضع كلها سور مدنية، وهي حسب ترتيب المصحف: آل عمران، الأحزاب، محمد، الفتح، الصف.
والعجيب أن سياق ورود اسمه صلى الله عليه وسلم جاء في سياق الجهاد في سبيل الله، ففي آل عمران جاء في سلسلة الآيات التي تحدثت عن غزوة أُحُد التي كانت من أشد الغزوات على المسلمين، وفقدوا فيها حوالي سبعين من خيار الصحابة رضوان الله عليهم، وأشيع فيها مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإين مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين”، وفي سورة الأحزاب، وهي من اسمها واضحة الدلالة على الجهاد: “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين”، وفي سورة محمد، وهي التي تسمى أيضا سورة القتال جاء قوله تعالى: “والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزِّل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم”، وفي الفتح، وهي من اسمها تدل على شيء له علاقة بالانتصار، وفي هذه السورة جاءت الآية عنوان المقال، وأخيرا في سورة الصف، وهي أيضا من اسمها وموضوعها تدل على الجهاد: “وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم، مصدِّقا لما بين يدي من التوراة، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين”.
ليس صدفة ورود اسمه صلى الله عليه وسلم في هذه السياقات ذات الدلالة العالية في المسؤولية، فمعلوم أن أعظم ما يضحّي به المؤمن هو نفسه، من أجل هذا الدين العظيم، وقدوتنا في ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولا بد من فهم أن موضوع الجهاد أعم كثيرا من القتال والتضحية بالنفس في سبيل الله.
هذه هي آخر آية من سورة الفتح، والفتح فيها هو صلح الحديبية لا فتح مكة، فالصلح كان مقدمة للفتح الأعظم فتح مكة، وكذلك لنشر الإسلام في كثير من بقاع الجزيرة العربية، حين تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه للدعوة، ولا أدل على أن صلح الحديبية هو فتح، من أن عدد الذين بايعوه صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان (في صلح الحديبية) سنة 6هـ كان ألفا وخمسمائة تقريبا، بينما شارك في فتح مكة بعد سنتين فقط أكثر من عشرة آلاف من الصحابة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الآية (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركّعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) قد وضّحت أوصاف الصحابة، وأعلمت أنها مذكورة ليس في القرآن فقط، إنما في التوراة والإنجيل، وأهمها أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وهو مبدأ الولاء والبراء الذي نجامل فيه كثيرا هذه الأيام، ونرى أيضا تلك الأوصاف الدالة على شدة صلتهم بالله تعالى.
قبل هذه الآية بشارة أن الله سيظهر هذا الدين على الدين كله، وكفى به شهيدا، دفعا لأي شبهة قد تطرأ على قلب المؤمن، خاصة حين يتحكم الباطل وينحسر الحق، فمهما علا الباطل فالسبب ليس في قوته، بل في ضعفنا نحن، ولا شك أن أسباب النصر مذكورة واضحة، لا بد من جمعها كلها، تماما كما جمعت هذه الآية حروف الهجاء العربي، لتشعرنا بكمال البناء والتوازن، أشداء على الكفار رحماء بينهم، وهي صفة واحدة ينبغي أن تستقر في قلب المؤمن، لتعلو مسؤوليته ويتصدى لحمل رسالة هذا الدين العظيم.
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، قدّم الشدة على الكافرين على الرحمة بين المؤمنين في سورة الفتح لأن السياق سياق جهاد فلا مجاملة حين يلتقي أعداء الله ليمكروا بهذا الدين وأتباعه ويجتثوه أو يشوّهوه، بينا الذلة على المؤمنين مقدَّمة على العزة على الكافرين لأن السياق يتحدث عن ولاء وردة وانتكاس عن تحكيم شرع الله، ففي حال ضياع الأمة على الدعاة أن يركزوا على تأليف قلوب المؤمنين، وجمع كلمتهم، والذلة على بعضنا البعض، فهي أولوية، وهذا ما نراه في واقعنا، فقبل أن نتحدث عن الأعداء علينا أن نتحدث عن عداوتنا لأنفسنا وكرهنا لبعضنا، حتى بين أتباع التوجهات الإسلامية، فكيف نواجه أعداءنا ونحن أنفسنا في حالة من التردي والتفكك والشتات والبغضاء؟! فأولويتنا أن نجتمع ويلين بعضنا لبعض، حينها تنمو بطريقة تلقائية مسألة عزتنا على الكافرين، حين يتضح الولاء ليكون خالصا لله ورسوله والمؤمنين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock