ثقافة

محمود درويش: كان المكان معدا لمولده على تلة من رياحين أجداده

اليوم ذكرى الميلاد الأول لصاحب “لماذا تركت الحصان وحيدا” بعد رحيله


عزيزة علي


عمان- هَجَسَ الشاعر الراحل محمود درويش بالتفاصيل، ولذلك قامت قصيدته على بنية سردية شائقة، وخصوصا في السنوات العشر الأخيرة من حياته، مضمنا إياها إشارات تحتمل اللبس والتأويل الذي يغوي فيه القارئ للعودة إلى نصه أكثر من مرة.


حين تخفف صاحب “لماذا تركت الحصان وحيدا” مبكرا من المفردات المغسولة بالدم، راح يسافر مع القصيدة في أبعاد بكر، وتوارى في الكثير من مقاطعها، لكن ملامحه كانت شديدة الوضوح في إقامته الأخيرة بكتابه النثري الشائق “في حضرة الغياب”، الذي كان فاصلة استدراكية أوضح بعدها ما لم يجهر به شعرا.


في هذا اليوم الذي يصادف ذكرى ميلاد الشاعر الراحل الأولى بعد وفاته، يبحث قراؤه عن صورته الأصل تلك التي لم تخضع للمجاز، ولم تفتح أطرافها النحاسية للنثر المشعرن، المحمول على ألف احتمال ومعنى.


درويش المولود في الثالث عشر من آذار(مارس) من العام 1941، تبقى صورته بالهيئة الأنيقة النظيفة، المغايرة للانطباع النمطي للشاعر الرث، مدونة في ذاكرة قرائه على نحو شعري في جداريته الخالدة:


واسمي ، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي


بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي:


ميمُ/ المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى


حاءُ/ الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان


ميمُ/ المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته


الموعود منفيّاً، مريضَ المُشْتَهَى


واو/ الوداعُ، الوردةُ الوسطى،


ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ، وَوَعْدُ الوالدين


دال / الدليلُ، الدربُ، دمعةُ


دارةٍ دَرَسَتْ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني/


وهذا الاسمُ لي…


ولأصدقائي، أينما كانوا، ولي


وها هُنا، يوجه عبر “الغد” أصدقاء الشاعر الراحل كلماتهم الأولى، في ميلاده الأول بعد الرحيل، موقنين أن الذكرى ستزداد إضاءة عاما فآخر، ولربما لأبعد ما تراكم من زمن ثقيل على رحيل المتنبي.


سميح القاسم: نحتفل بميلاد قصيدته


الشعراء لا يحتفلون بأعياد ميلادهم بقدر ما يحتفلون بميلاد قصائدهم، ولن يحتفل درويش بعيد ميلاده، ونحن نواصل الاحتفال بميلاد قصيدته، فموت الشعراء ينبغي أن يكون مجازيا، فأنا أتعامل مع موت درويش بهذه الصيغة، باعتباره متماوتا ويورطنا في مقلب من مقالب الحياة المفاجئة، ولأن رحيله ما زال لصيقا بالقلب وبالذاكرة فسيظل التعامل مع ميلاده وميلاد قصيدته، ورحيل جسده، في إطار الشعر العابر للحياة والموت.


إذا سأحتفل بعيد ميلاد درويش أخا وصديقا ورفيقا وقصيدة، وكل عام والشعر بخير.


شاعر فلسطيني


صبحي حديدي: في يديه غيمة


في عيد ميلاده الأول وهو غائب عنا، أستذكر أنّ محمود درويش كتب القليل فقط عن برهة ولادته تلك، في معانيها المكانية والجغرافية التي تخصّ قرية البروة والجليل وفلسطين عموماً، وكذلك في مستويات تلك المعاني وجودياً ومجازياً، تاريخياً وأسطورياً. ولعلّ أوضح تلك الكتابات الشعرية القليلة ما جاء في قصيدته “في يدي غيمة”، من مجموعة “لماذا تركت الحصان وحيداً”، 1995، حيث يقول:


“… كان المكان معدّاً لمولده: تلّة


من رياحين أجداده تتلفّتُ شرقاً وغرباً. وزيتونة


قرب زيتونة في المصاحف تُعْلي سطوح اللغة…


ودخان من اللازورد يؤثث هذا النهار لمسألة


لا تخصّ سوى الله. آذار طفل


الشهور المدلل. آذار يندف قطناً على شجر


اللوز. آذار يولم خبّيزة لفناء الكنيسة.


آذار أرض لليلِ السنونو، ولامرأة


تستعدّ لصرختها في البراري… وتمتدّ في


شجر السنديان.


يولد الآن طفل


وصرخته،


في شقوق المكان”.


كذلك أستذكر، بأسى متضاعف، أنه بالفعل كان ينوي كتابة المزيد عن تلك البرهة، وسوّد صفحات في هذا التفصيل تحديداً، لا سيما في قصيدة له مطوّلة ومديدة ومفتوحة، لم يكن يريد لها أن تنتهي، كما عبّر بنفسه. وعلى صعيد شخصي، إذا سمحت لي، أستذكر أنني اليوم، وللمرّة الأولى منذ العام 1988، لا أتصل به صباحاً، وهو في باريس أو رام الله أو عمّان أو أينما كان، لأقول له: “سنة أخرى، أيها الشيخ الطاعن”، فيردّ عليّ: “يا سيدي، نحن السابقون وأنتم اللاحقون”!


ناقد سوري مقيم في باريس


شوقي بزيع: قبل ولادته كانت اللغة عرجاء


ولادة درويش قد تكون هي الحادثة الواحدة التي ينبغي الاحتفاء بها، ذلك أن ما يصح على ولادته، لا يصح على موته، فهو منذ أن رحل في آب (أغسطس) الماضي، يزداد تألقا وحضورا في العالم.


يبدو أن غياب درويش الجسدي أتاح لروحه أن تتوهج أكثر وأكثر من خلال قصائد وأعمال عصية على الأفول، لا يكاد يمر يوم واحد، لا يذكر فيه اسم درويش، سواء في مقالة أو قصيدة، أو بحث أو استدعاء لوجه من وجوه شعره.


في مهرجان دبي الدولي للشعر الذي انفض عقده قبل يومين، كان لدرويش النصيب الأوفر من قصائد الشعراء بدءا من الشاعر النيجيري “وولي سوينكا” الحائز على جائزة نوبل، ومن جنوب إفريقيا الشاعر “برايتين برايتنباخ” إلى آخر شعراء المهرجان.


وبالنهاية فإن ولادة درويش ليست حدثا تم انجازه في لحظة بعينها، ولكنه حدث يجدد نفسه باستمرار، وهذه الموهبة الهائلة من الصور والأخيلة والإيقاعات الساحرة لا تزال قادرة على إضرام النار تحت رماد هذه الحياة المتآكلة، وأكثر طزاجة وهو في نثره كما في شعره لاعب النرد الأكثر رشاقة، وقدرة على سبر أغوار المفردات. كما كان العالم ناقصا واللغة عرجاء قبل ولادة درويش.


شاعر لبناني


غانم زريقات: كان يتجنب الاحتفال بعيد ميلاده


في مهرجان دبي الدولي للشعر تسنى لنا أن ندرك أكثر العلاقة بين درويش وجمهوره، فكانت الأمسية التي خصصت له الأقوى في المهرجان، إلا أن المراقب للمشهد أدرك بسهولة غياب العلاقة الاستثنائية الفريدة وغير المسبوقة بين شاعر وجمهوره، وأدركنا جميعا أننا خسرنا آخر الكبار، رغم أن درويش يقول غير ذلك، في قصيدته الأخيرة التي يدعو فيها شاعرا آخر لإكمالها.


“لن تخيب ظني


إذا ما ابتعدت عن الآخرين


فما ليس يشبهني أجمل”.


درويش كان يتجنب استذكار عيد ميلاده، ولا يحتفل به ولا يحبه إلا إذ أجبر على قبول دعوة عشاء من صديق مقرب له.


ويضيف ما كان يدهشني في درويش استشرافه للمستقبل، فهو الذي بشر بانتفاضة الحجارة وهو الذي قال في استشراف مثير:


“صدقت أني مت يوم السبت،


قلت علي أن أوصي بشيء ما،


فلم أعثر على شيء”.


وهو الذي قال قبل أيام من وفاته في قصيدة لم تنشر:


“المكان على أرضه، هل أسأت للشجرة


حين شبهتها بالفتاة “وبالعكس”


هل أطلب المغفرة


من مقابر أهلي، لأني مت بعيدا


عن النائمين وأنقصتها شاهدة”.


محامي وصديق الشاعر الراحل


شربل داغر: يولد ألف مرة في اليوم


 الأعياد لا تصلح لدرويش ولا أريد له مثل هذا، فما قام به في حياته وشعره يتعدى أصله وميلاده. أعرف أن مثل هذه المناسبات لحظة للتذكر، وهي مناسبة لتجديد اللقاء بمن غاب، لأن ميلاد صديقنا الراحل درويش هو ميلاد كل قصيدة كتبها، وهو ما أخبرني به ذات يوم حين كان يحدثني في باريس عن مفاجأته المدهشة بعد أيام وأيام على اجتراح قصيدة ما كانت تولد بين يديه، يومها داعبته بالقول في إشارة إلى الحالة الاجتماعية “الزوجية”:”إنها من بنات أفكارك، فأجابني: أنا مثلك يا شربل لو كان لي أن يكون لي أولاد، وأن أختار لاخترت مثلك البنت لا الصبي”.


أتذكر هذا وأقول أيضا أن المناسبة لا تناسبه، لأنه حي يعيش كل يوم ويولد ألف مرة في اليوم الواحد، وفي عيون قرائه الكثيرين في العالم.


شاعر لبناني


مريد البرغوثي: لم أصدق دموع أنصاف الشعراء


صدقت دموع الشعراء الأقوياء، ولم أصدق دموع الشعراء الصغار، صدقت الذين بكوه، ولم أصدق دموع أنصاف الشعراء. وأقول له كل عام وأنت بخير يا محمود.


شاعر فلسطيني


 سيف الرحبي: غياب بحلم العودة والحنين


الغياب الذي وسَم درويش منذ طفولته، رغم الحضور العارم لصخب المرحلة وشعاراتها وآمالها المستقبليّه آنذاك..


غياب صاعق للوطن وللعائلة والمركز الوجداني والعاطفي سيطبع جيلاً عربيّاً بكامله وستكون فلسطين هي النموذج المأساوي المكثف لما ستؤول إليه أحوال البلاد عامة “التي انفصل البحر عن مدنها”، وما نحن عليه الآن حيث الإقامة في قلب الهاوية التي تبدو بلا سقف ولا قرار.


غياب الشاعر والجماعة المشوب والمخترق دائماً بحلم العودة والحنين…وعاش في قلب تراجيديا التيه الحقيقية التي هي اقتلاع شعب واضمحلال ما تبقى من الإرث الإنساني للعصر الحديث؛ اختار أخيراً الإقامة في رام الله “حياة وموتاً” إذا صح التعبير، في قلب المجزرة والبطولة، في أعماق شعبه الذي أحبه، وكان الملهم الأول لأعماله الخالدة.


وحين رجع ذات مرة إلى قريته “البروة” لم يجد ما وجده أبطال الأساطير العائدون بعد مغامرتهم وأسفارهم ومحنهم، التي اختزلت محن عصور بكاملها، لم يجد حلم موطنه الأول ولا حتى بقاياه.


شاعر عماني


زهير أبو شايب: آذار لم يعد طفل الشهور المدلل


بالنسبة لي، ما زال محمود درويش حاضرًا بكلّ سطوعه وأناقته. لقد استطاع، كأيّ مبدع كبير، أن يحوّل ميلاده الشخصيّ وموته الشخصيّ إلى حدثين يمتدّان طويلا بعد غيابه. إنّ فقده يتكرّر مثلما يتكرّر فقد المتنبّي مثلا، لأنّ العرب سيظلّون يتذكّرونه بوصفه علامة تدلّ عليهم، وبهذا المعنى فإنّ محمود درويش لا يغيب. بعد سنوات سيفقد تاريخ ولادته وتاريخ موته المعنى الذي لهما الآن. لكن سيظلّ عصيّا على الغياب. بالنسبة لي، أتحسّس المكان والزمان، وأشعر أنّ آذار لم يعد طفل الشهور المدلّل كما قال عنه محمود. أحيانا آخذ نفسي لاشعوريّا إلى الحيّ الّذي يوجد فيه بيته، وأنظر إلى نوافذه كأنّني أتوقّع أن أجده هناك. ودائما دائما لا يكاد يمرّ يوم ، منذ رحيله ، إلاّ وأتذكّره وحدي أو مع آخرين. إنّه موجود هنا، ينتظرنا في اللازمان الّذي تقيم فيه ذاتنا الجمعيّة: خارج البدايات والنهايات. وموجود هناك في المكان الّذي هو نحن، والّذي هو أمّ البدايات وأمّ النهايات على حدّ تعبيره. سيظلّ محمود درويش يتعتّق ، في وجداننا، كالنبيذ ، ولذا فإنّه سيزداد حياة، وسيطيل عمرنا الجمعيّ عاما بعد عام، ومع أنّ كلامي عنه الآن لا يخصّه هو، إلاّ أنّني أشعر بأنّه يتنصّت عليّ وعلينا من وراء الأبديّة، ويصغي إلى كلامنا المتعثّر عنه بين المديح والرثاء، ولعلّه يقول لنا، بمناسبة يوم ميلاده: كلّ عام وأنتم بخير.


شاعر اردني

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock