ترجمات

مخيم الهول واحتمالات انبعاث “داعش”

شورش خاني – (معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى) 26/6/2020

تتشابك مسائل الصحة العامة ومكافحة التطرف في مخيم الهول، حيث سيكون من المستحيل معالجة ظروف الاكتظاظ في المخيم بشكل فعال إلى أن يتم وضع برامج لمكافحة التطرف ويتم تفعيلها. ويتطلب احتواء الفكر الداعشي المتنامي داخل مخيم الهول أن يقوم المجتمع الدولي والحكومات المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بالبدء في حوار جاد لإيجاد حل جذري للوضع الراهن في المخيم. وللأسف، لن تتمكن السلطات المحلية من معالجة هذه القضية الشائكة من دون الحصول على دعم أوسع.

  • * *
    بعد سقوط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في آذار (مارس) الماضي، وانتهاء سيطرته على الأرض، ظل مخيم الهول في شمال سورية بمثابة القلب النابض للتنظيم. فخلال السنوات الخمس الأخيرة، أصبحت منطقة الهول السورية من المناطق التي انتشرت فيها الأفكار المتطرفة بشكل واسع، سواء أكان على يد تنظيم “داعش” أو بعض الجماعات الأخرى المتطرفة. وعلى الرغم من أن المخيم يعاني من فقر البنية التحتية والاكتظاظ الشديد -وهذا ليس بجديد- إلا أن أزمة الصحة العامة العالمية خلقت حاجة ماسة إلى معالجة المشاكل المتوطنة داخله.
    كان مخيم الهول الذي يؤوي حالياً الألاف من أفراد عائلات تنظيم “داعش”، قد بُني منذ ما يقرب من 30 عاماً لإيواء اللاجئين العراقيين الذين فروا إلى الحدود السورية خلال حرب الخليج. وتم استغلال هذا المخيم مرة أخرى كمأوى للعراقيين بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، حيث كان واحداً من ثلاثة مخيمات رئيسة أقيمت على الحدود السورية العراقية. وقد استهدف تنظيم “داعش” منطقة الهول لكونها واحة من المناطق الحدودية التي كان من السهل اختراقها خلال سنوات توسعه.
    وعلى هذا النحو، منح الموقع الاستراتيجي المنعزل للمخيم، والذي يطل من المناطق الحدودية النائية، تنظيم “داعش” مساحة جيدة لنشر الأفكار المتطرفة بين العشائر العربية القاطنة في تلك المنطقة.
    بالنظر إلى موقعه، أصبح مخيم الهول نقطة تجمّع للمتشددين من مقاتلي “داعش: الذين تم أسرهم خلال المعارك مع التنظيم. ولذلك، تنظر قيادة “داعش” الحالية إلى المخيم على أنه معقل رئيس للتنظيم بالنظر إلى العدد الهائل لأنصار التنظيم من المقيمين داخل المخيم من مختلف الجنسيات حول العالم. وخلال السنوات القليلة الماضية، وصل عدد المحتجزين داخل مخيم الهول إلى أكثر من 12 ألفا من المتشددين، أغلبهم عوائل تنظيم “داعش” من الأطفال والنساء. وقد حذر الخبراء مرارًا وتكرارًا من أن الوضع داخل المخيم يمثل تهديداً كبيراً على الأمن الدولي والإقليمي.
    عوامل أساسية تجعل من مخيم الهول معقلاً ممكناً لإعادة إحياء تنظيم “داعش”
    في السنوات الأخيرة، كانت هناك عدة عوامل هيأت الظروف لسكان المخيم ومكنتهم من المساعدة في قيادة محاولة إحياء تنظيم “داعش.”
    ففي حين أن أغلب المناطق في شمال شرق سورية معزولة، إلا أن هناك أجزاء من مخيم الهول تتمتع بانفتاح أكبر على العالم الخارجي. وفى هذا الصدد، ينقسم المخيم إلى قسمين، القسم الخاص بالسوريين والعراقيين، والذي يمثل القسم الأكبر في المخيم حيث يتمتع المحتجزون بدرجة عالية نسبيا من حرية الحركة والتنقل. وهناك أيضا القسم الأصغر المعروف باسم “الملحق”، والذي يتألف سكانه في معظمهم من الأجانب.
    يتمتع السوريون من نزلاء المخيم بشكل خاص بالاتصال النسبي بالحياة خارج المخيم، إما من خلال الاستخدام القانوني للأجهزة المحمولة وآليات الاتصال الأخرى، أو مالياً، أو من خلال تحويل الأموال عن طريق نظام الحوالات. ومع ذلك، قد يتيح انفتاح مخيم الهول على العالم الخارجي إمكانية التواصل بين مؤيدي التنظيم وخلاياه داخل المخيم وبين المنتمين للتنظيم في شتى أنحاء العالم.
    في حين يصعب تقدير عدد النساء اللواتي ما يزلن مواليات لتنظيم “داعش” داخل المخيم، فإنه لم يتم فصل أولئك الذين يدعمون التنظيم عن بقية سكان المخيم. ونتيجة لذلك، ظل السكان داخل المخيم يتشربون الأفكار المتطرفة لعدة سنوات.
    على هذا النحو، ما يزال سكان المخيم بأكمله يعيشون نفس نمط الحياة الذي كانوا يعيشونه خلال حكم “داعش”، على الرغم من المراقبة الخارجية التي تمارسها قوات سورية الديمقراطية. فما تزال مصطلحات مثل (القتل وقطع الرؤوس، والكافرين، والغزوات، والثائر، الخلافة) دارجة بشدة في الحياة والنقاشات اليومية بين عوائل التنظيم. وفى هذا الصدد، شكلت نساء “داعش” لجاناً سرية داخل المخيم لمتابعة الحياة الشخصية لسكان المخيم لمعرفة ما إذا كانوا ما يزالون متمسكين بأفكار التنظيم أم لا. كما شكلت خلايا تنظيم “داعش” ما يسمى جهاز الحسبة أو (الشرطة الإسلامية) داخل المخيم، والذي يتكون في أغلب عناصره من النساء الأجنبيات.
    بالإضافة إلى ذلك، صارت حوادث العنف داخل المخيم شائعة، حيث سجل المخيم العديد من أحداث العنف المرتبطة بالتطرف، ففي آب (أغسطس) من العام 2019، قامت بعض النساء الأجنبيات بقتل امرأة من الجنسية الإندونيسية داخل خيمتها بسبب عدم التزامها بالقواعد التي فرضتها نساء “داعش” في المخيم. كما أن حوادث الطعن مستمرة بشكل يومي، والتي يمارسها الأطفال والمراهقون، أو من يُعرفون باسم “أشبال الخلافة”، ضد كل من يخالف قواعد تنظيم “داعش” داخل المخيم.
    وعلى الرغم من خطورة الوضع داخل المخيم والحاجة الماسة إلى احتوائه وإعادة تأهيل العناصر المتطرفة فيه، فإن هناك العديد من العوامل التي حالت دون السيطرة على حوادث العنف والتطرف داخله، منها ضعف وفقر البنية التحتية من خدمات معيشية وتعليمية، ونقص الدعم المحلى والدولي، وغياب أي برامج شاملة لإعادة تأهيل المقيمين في المخيم -وخاصة للأطفال.
    خلال الأشهر القليلة الماضية، ساهم التوغل العسكري التركي الأخير في سورية في خلق ظروف مواتية لإعادة إحياء التنظيم، حيث بدأت تركيا توغلها في سورية في أواخر العام الماضي بهدف إنشاء “منطقة آمنة” على الحدود داخل الأراضي التي تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية”، وذلك بعد تلقيها الضوء الأخضر من الرئيس الأميركي ترامب.
    ومنذ شن الهجوم التركي على سورية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ساءت الأوضاع داخل المخيم. وعلى الرغم من أن “قوات سورية الديمقراطية” ما تزال تحتفظ بسيطرتها على المخيم، إلا أن التوغل التركي دفع الكثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه القوات تسيطر حقاً على الأوضاع داخله، في ظل المشكلات التي تعاني منها تلك القوات والتي تعيش تحت ضغوطات متعددة.
    منذ التوغل التركي، شرعت “قوات سورية الديمقراطية” في تخفيض عدد مقاتليها في منطقة الهول، وذلك تحسبا لأي غزو تركي محتمل. ومع ذلك، قد يؤدي هذا التخفيض إلى إضعاف قدرة هذه القوات على تأمين المخيم ويوفر فرصة أكبر للجماعات المتطرفة للمناورة داخل المخيم، والخروج منه، وتهريب البضائع، وربما إعادة تجنيد متطوعين.
    علاوة على ذلك، أصبح الوضع صعباً بشكل خاص، حيث يواجه المخيم احتمال تفشى جائحة فيروس كورونا، وهو ما قد يؤدى إلى نتائج كارثية. وفى حين فرضت السلطات المحلية حظر التجوال التام والجزئي وأجرت الفحوصات الطبية اللازمة للحالات المشتبه فيها، ونجحت في السيطرة على تفشي الوباء داخل المخيم، فإن عدم تهيئة المراكز الطبية قد يؤدى إلى تفشي الوباء بشكل سريع داخل المخيم.
    تتشابك مسائل الصحة العامة ومكافحة التطرف في مخيم الهول، حيث سيكون من المستحيل معالجة ظروف الاكتظاظ في المخيم بشكل فعال إلى أن يتم وضع برامج لمكافحة التطرف ويتم تفعيلها. ويتطلب احتواء الفكر الداعشي المتنامي داخل مخيم الهول أن يقوم المجتمع الدولي والحكومات المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بالبدء في حوار جاد لإيجاد حل جذري للوضع الراهن في المخيم. وللأسف، لن تتمكن السلطات المحلية من معالجة هذه القضية الشائكة من دون الحصول على دعم أوسع. ولذلك، يتعين على الدول التي تسعى إلى منع عودة “داعش” أن تساعد في تطوير برنامج إعادة التأهيل مع التركيز على البرامج التعليمية والنفسية التي تستهدف النساء والأطفال القاطنين في المخيم. كما يجب استمرار تقديم الدعم العسكري لجهود “قوات سورية الديمقراطية” في مكافحة إرهاب “داعش” وتقديم الدعم المالي اللازم لها لإحكام سيطرتها على المخيم وتوفير الخدمات الأساسية للقاطنين فيه.
    في حين أدى تفشي وباء كورونا إلى تعطيل العديد من المشروعات الدولية التي تستهدف المخيم، إلا أن الوضع في المخيم لا يمكن تجاهله. وإذا لم تتم معالجة هذا الوضع المتردي للمخيم وإحكام السيطرة عليه من خلال بذل جهود مشتركة بين الإدارة الذاتية والمجتمع الدولي، فمن المؤكد أن “داعش” سوف يصعد مرة أخرى من داخل المخيم، وسوف يصبح أقوى وأكثر انتشاراً من ذي قبل.

*باحث في المركز الكردي للدراسات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock