أفكار ومواقف

مداخل البلدات وهوية المكان

لبلداتنا المنتشرة على التلال والسهول الأردنية أسماء وينابيع مياه كانت السبب في نشوء الكثير منها….بعضها نما ليصبح مدنا وأخرى بقيت كما كانت قبل عقود ….وبعضها الآخر شهد تفريغا سكانيا فاستحال خرابا…. معظم بلداتنا لم تتطور حضريا كما يحدث في بلدان الدنيا؛ فنموها عشوائي والمضاف الجمالي  على تشكلها محدود ان لم يكن غائبا…..في العديد من بلداتنا اجتهد الأهالي لينصبوا دلة قهوة عند مدخلها ..او هيكل طائرة قديمة أو مسلة دون أن  يكون لذلك معنى. لو خطر ببال أحدنا ان يسأل أطفال المدرسة ان يتحدثوا قليلا عن بلدتهم  وتاريخها وميزاتها وهويتها لوجدنا روايات عديدة وتباينا في النظرة التي يحملها الساكنون لموطنهم.
في الكثير من  دول العالم  هناك قصص وروايات يستدخلها الأهالي للمكان، فلا توجد بلدة أو قرية أو مدينة إلا لها حكاية حول نشأتها وتطورها ونشاطاتها وعلاقاتها بالبلدات الأخرى وبطولات أهلها وتضحياتهم وزراعاتها وصناعاتها وإنتاجها وموقعها في منظومة البلدات والقرى والمدن التي تشكل نسيج الأمة. على مدخل المدينة او البلدة  يقام نصب يحمل رمزية تعبر عن المكان واهله وتاريخه ويعكس الصورة التي يستدخلها السكان ويعتبرونها رمزا لهم…. بعضها تختار شجرة او فاكهة أو حيوانا أو منتجا أو اسطورة تجسد ملامحها كتشكيل بصري على مدخل البلدة أو في أهم ساحاتها.
جمال الأماكن وصياغة هويتها خطوة أساسية ومهمة في بناء الصورة الموحّدة التي يتعلق بها الساكنون ويحملونها في عقولهم وقلوبهم. والبلدات التي لا تستطيع أن تصيغ لذاتها هوية تعرفها وتجمع ساكنيها على حبها والعمل من أجل إدامة جمالها وصورتها المطبوعة في أذهانهم تبقى بلدات تائهة تفتقر إلى البناء المعنوي الذي يمكن أن يحوّل ساكنيها من مقيمين إلى مواطنين يعبرون عن مواطنتهم بالعمل والتطوع والاهتمام. في انتقالنا من الحياة البدوية الريفية الى الحياة الحضرية، عجزت الكثير من بلداتنا ومدننا الجديدة أن تخلق لنفسها هوية حضرية خاصة  تعرف المكان وتوجه الساكنين الجدد لخدمته وبنائه وتطوير حياته الحضرية. وقد كان أن أصبح النسيج العمراني هو المحدد الوحيد لبلداتنا ومراكزنا الجديدة التي غابت عنها هوية المكان ورمزيته وعناصره الجمالية.
المسميات الأصلية لجبالنا وسهولنا وودياننا كانت تحمل معاني ودلالات يفهمها الناس ويدخلونها في حساباتهم، فالبلقاء كانت تشير إلى الأرض الموشحة بالاحمرار والمعروفة بالخصوبة، يعرف القادم أنه دخل أراضيها من تغير لون الأرض. كذلك الزرقاء التي يختلف لون تربتها وحجارتها عن جارتها فتبدو مائلة للزرقة أكثر من جارتها. اليوم ونحن نتجول بين  حدود مدننا وبلداتنا التي تداخل نسيجها العمراني لدرجة يصعب التعرف على بدايات ونهايات بعض البلدات لولا اللوحات التي نصبت لتعلن ترحيب البلدية ووداعها. قلما نجد من النصب الجمالية التي ترمز إلى الأماكن وخصوصيتها وميزتها ليس للسواح فقط بل للأهالي أيضا الذين فقد الكثير منهم الإحساس بالمكان والزمان.
النصب الجمالية والتشكيلات البصرية ضرورية لتعزيز ارتباط الناس بموطنهم وتعميق الانتماء لبيئاتهم وتغذية الذائقة البصرية للمقيمين والقادمين، وهو عمل في صلب واجب البلديات وميدان لإبداع كليات الهندسة والزراعة والفنون في جامعاتنا التي تنتشرعلى طول البلاد وعرضها. استمرار حديث وزارة البلديات عن الكابسات والنفايات والشوارع والحفر والمجاري دون الاهتمام بالثقافة وجماليات البلديات  يحتاج الى اعادة تفكير، فالقرى والبلدات والمدن هي الأماكن التي نمضي فيها غالبية عمرنا والنقاط التي تتقاطع فيها علاقتنا كمواطنين مع الدولة والعالم، فما لا يتوفر في بلداتنا وأحيائنا لا معنى له حتى إن تحدثت عنه الدنيا بأسرها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock