أفكار ومواقف

مداخل العقل والقلب

«يميل الناس في العادة إلى تصديق ما يرغبون تصديقه»، هذه حقيقة عرفناها في دراستنا، وعشناها على مدى رحلتنا في الحياة. وفي ظل جائحة كوفيد، احتاجت السلطات الصحية، والمعنيون بمكافحة الوباء إلى التعامل مع العقول والقلوب بشكل ملح ومكثّف، فقد كنا بحاجة ماسة -وربما ما زلنا كذلك- إلى الوصول إلى عقول وقلوب كافة شرائح وطبقات المجتمع، فالوصول إلى إجماع أو شيء قريب من الإجماع -حول بعض الحقائق والإجراءات- في الوطن والعالم ضروري من أجل نجاعة الإجراءات الوقائية، وقبول التعليمات الصارمة، وأخذ المطعوم، واجراء الفحوصات وغيرها من الإجراءات والإرشادات.
الإنسان كائن قادر على التفكير العقلاني هذه حقيقة، «ولكن المعتقدات، والخلفيات الثقافية، والرغبات، والآمال، والمخاوف، والدوافع غالبًا ما تقلب الموازين لتجعلنا أكثر عرضة لقبول شيء ما على أنه حقيقي، إذا كان يدعم ما نريد تصديقه». لم تكن هذه الحقيقة الأكاديمية أوضح منها في مواجهتنا الشاملة والطويلة -نسبيا- مع ظروف الجائحة. فقد كنا نرى هذا السلوك، وألوان العناد في أمور الفكر والسياسة ونحوها في المجتمعات المنفتحة، وكذلك في القرارات الشخصية التي تتعلق بالمريض الواحد ونتفهمه، ونتقبله، ولكن في ظرف ما، يصبح الاختلاف خلاف «تضاد» لا خلاف «تنوع»، ويتعين عندها الإجماع على بعض المسائل والإجراءات، ويكون لخرق الإجماع -ولو من آحاد الناس- بالغ الأثر على دائرة أو شبكة حوله، والإجماع كما يصفه الفقهاء بأنه «عزيز».
الوصول الفعّال للجمهور -في ظل التطور الدائم في وسائل التواصل الاجتماعي-، يتطلب استراتيجية علمية تناسب كل شريحة في المجتمع، فخطاب الفئات الفتية قد يحتاج إلى منصة، وأسلوب، ومادة تختلف عن تلك التي تستهدف الفئات الأكبر سناً، فقد وجدت إحدى الدراسات الحديثة، أنه يمكن مخاطبة هذه الفئة والتأثير عليها، من خلال الحوار المتبادل، بشكل أكثر فعالية من المادة المتقنة الإخراج، والمصمّمة جيدا حين تكون باتجاه واحد -من المرسل إلى المتلقي- بخلاف الفئات الأكبر سناً. وهذا ينطبق على مختلف الفئات العمرية، والخلفيات الثقافية، وربما على خصائص أخرى.
في دراسة للرابطة الامريكية للفلسفة، بعنوان «كيف يجتمع الدافع والهوية والأيديولوجية لتقويض الحكم البشري”، خلص الباحثون إلى أننا « نعتمد على مجموعة منحازة من العمليات المعرفية للوصول إلى اعتقاد معين. ويُعرف هذا الميل الطبيعي لاختيار الحقائق وتحريفها لتتلاءم مع معتقداتنا الحالية باسم التفكير المحفز(الموجه) – وهذا ما نفعله جميعًا «.
وتظهر الأبحاث المتتابعة والمتضافرة أننا نميل إلى تفسير الحقائق بشكل مختلف إذا كانت تتحدى معتقداتنا الشخصية، أو هوية الجماعة التي ننتمي اليها، أو القيم الأخلاقية التي نؤمن بها، لذلك ترى الشخص يسارع إلى مشاركة مادة ما على وسائل التواصل الاجتماعي إذا كانت تدعم معتقده، أو تعزز من الصورة التي يرغب بالظهور بها أمام جمهوره، ولا يفعل ذلك إذا خالفت قناعاته -بغض النظر عن مدى عمق وجمال تلك المادة-. وهذه يحصل في الغرب والشرق، ولنا فيه نصيب كبير.
هناك الكثير مما يمكن أن يقال نقداً حول الاستراتيجية الإعلامية وجوداً أو غياباً في أجواء الأزمة على المستوى الوطني والعالمي، وفي زمن أصبح معظم الناس يمارسون العمل الإعلامي على نطاق ما، فإن العمل الإعلامي يتطلب نظرة شاملة، ومشاركة واسعة، ومعرفة مسار انسياب المعلومات، وبناء المعرفة، وتشكيل القناعات. إذ لا يكفيك امتلاك المعلومة الأفضل والأحدث، فهناك عوامل أخرى عديدة تتداخل عند تشكيل القناعات.
قال الفيلسوف سبينوزا «ان للقلب طريقه الذي لا يعرفه العقل».

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock