آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

الوصمة المجتمعية تحول دون تلقي “مدمنات” العلاج – فيديو

222 امرأة يعالجن بالجناح "الوردي" منذ افتتاحه قبل 18 عاما

حنان الكسواني

عمان – لم تنجح أسوار “السرية والعزلة التامة” التي يطبقها المركز الوطني لتأهيل المدمنين في وقف ملاحقة “الوصمة الاجتماعية” لمدمنات يتلقين العلاج بالمركز الحكومي الوحيد في المملكة، ولم تحطم 18 عاما حاجز الصمت المطبق في ردهات هذا الجناح الوردي سوى 222 امرأة، قبلن بمحض إرادتهن الالتحاق به لتلقي علاج يمكنهن من إزالة سموم غزت اجسامهن.
سبع مدمنات فقط، تلقين العلاج العام الماضي بسبب ادمانهن على مهدئات طبية (مضادات الاكتئاب والقلق) ومخدرات بأنواع مختلفة، وفي المقابل تلقى ما يقارب من 8 آلاف نزيل علاجهم في جناح الذكور “الأزرق” منذ تأسيس المركز في 2001.
ورغم انقضاء كل هذ السنوات، فإنه من غير المتوقع أن يشهد الجناح الوردي، الذي جاء تأسيسه استجابة لمطالبة مدمنات أبدين رغبة بتلقي العلاج إقبالا متزايدا في ظل وجود “حواجز اجتماعية عريضة، وضعف دعم اسري لهن بتقبل فكرة الانقطاع عن العالم الخارجي 60 يوما”، بحسب مدير المركز الدكتور جمال العناني.
خبراء في علاج الإدمان والاجتماع اعتبروا هذه الأرقام، التي رشحت من المركز “صادمة” وتستحق “فعلا” تصميم حملة وطنية توعوية مستمرة، تستهدف الفتيات بشكل خاص، بالإضافة إلى تطويع “البروتوكول” العلاجي الحالي ليتناسب وثقافة المجتمع المحافظ.
تبرير غياب المدمنات عن المنزل
تحديات عديدة يصطدم بها برنامج العلاج “النسائي” في المركز، منها تبرير غيابهن عن المنزل لمده تزيد على شهرين بشكل متواصل، فضلا عن انكار أنهن دخلن مرحلة الإدمان، واكتفين بـ “لذة الكيف”، حسب قولهن لـ “الغد”.


ويحتاج المدمن للعلاج في المركز 6 أسابيع للتخلص من السموم بعد الانقطاع الكامل أو التدريجي عن المادة المتعاطاة، حسب ما يقرره أطباء واخصائيو المركز.
وعليه؛ دعا الدكتور العناني “المدمنات باعتبارهن في أمس الحاجة للعلاج إلى التغلب على الخجل أو التردد بالتوجه للمركز لمساعدتهن مجانا”، مشيرا إلى “عدم وجود أي مساءلة قانونية، كما أن التعامل معهن بشكل خاص يليق بجنسهن اللطيف”، وشدد في الوقت نفسه على أهمية الدعم الأسري لهن لتبرير غيابهن.
التجربة الأولى طريق الإدمان
من الواقع الاجتماعي والنفسي لمراجعات المركز، يتضح أن أغلب ضحايا التعاطي خاضوا التجربة الأولى المؤدية إلى طريق الإدمان تحت وطأة ظروف نفسية معينة أفقدتهم السيطرة على سلوكهم.
غير أن فتيات وقعن في براثن الإدمان على المستحضرات الطبية، مستغلات “سوء صرف هذه الأدوية من قبل بعض الصيدليات”، رغم أنه لا يمكن صرفها إلا بوصفة طبية من طبيب اختصاصي.
وفي المركز، تعالجت السيدة الثلاثينية، غدير، من إدمانها على حبوب طبية كان طبيبها المختص يصفها لها للتخلص من آلام مرض نفسي تعاني منه، شريطة أن تتقيد والصيدلي بتعليمات الوصفة، مشيرة الى أنه “مع مرور الوقت اكتشفت أني فريسة لهذه الحبوب، وساعدني بعض الصيادلة في صرف عيار مرتفع”.
تتحايل غدير (اسم مستعار) على بعض الصيادلة لصرف وصفتها الطبية، من خلال إقناعهم بأن ظروفها المالية والنفسية تمنعها من شراء علبة واحدة، وأنها ستجزئ الحبة إلى أقسام متعددة وتتقيد بتعليمات الطبيب.
وفي ظل وجود “سوء” وصف المهدئات الطبية من قبل بعض الصيدليات وتحايل المدمنات عليها، دعا الدكتور العناني إلى ضرورة “تشديد الرقابة على بيع هذه الحبوب التي تؤدي إلى الإدمان، وخاصة من يسعون وراء الربح المادي رغم معرفتهم بالآثار الجانبية لها”.
وبينما تمكنت (غدير) من تلقي العلاج في المركز بدعم أسري، رفضت العشرينية هاجر فكرة الذهاب إلى منطقة شفا بدران في عمان للتخلص من إدمانها على مضادات الاكتئاب (أدوية نفسية لتخفيف الاكتئاب بأنواعه الخفيف والمزمن واضطرابات القلق والرهاب الاجتماعي).
وبررت ذلك، بأنها “مستمتعة” مع صديقاتها بتحضير أجواء “الكيف والتباهي أمامهن، وبأنها ذات شخصية مستقلة، ومن حقها أن تجرب الممنوع كونه مظهرا فيه رقي مجتمعي”، بحسب قولها لـ “الغد”.
“الكيف” يحطم تقبل العلاج
تتشارك هاجر مع صديقاتها شريط دواء يشترينه من صيدليات محدودة في محافظتها، ويتقاسمن سعره وعدد حباته مع احتسائهن مشروبات كحولية وأراجيل وسجائر الكترونية.
وبشدة، تنكر هاجر أنها غرقت في عالم الهلوسة وأن سلوكياتها تبدلت من فتاة متفوقة أكاديميا إلى إنسانة فاشلة قد تفصل من جامعتها، كما تنكر أنها باتت تتقن الكذب على والديها لزيادة مصروفها الأسبوعي لتبرر أسباب ارتفاع نفقاتها.
وتختلف حالة هاجر عن سابقتها غدير؛ فهي تقع ضمن فئة تجد صعوبة بالغة في قبول العلاج للقضاء على السموم في أجسادهن، لأن ذلك يتطلب خوض تجربة فيها تحد لأنفسهن ومجتمعهن، في وقت يمتد فيه الخوف لديهن من ظهور الأعراض الانسحابية الجسدية والنفسية أمام أسرهن.
وحسب البروتوكول العلاجي العالمي المتبع في علاج الإدمان، قال العناني، “لا بد أن يخضع (المدمن/ــة) لمدة أسبوعين لإزالة السمية وتغطية الأعراض الانسحابية الجسدية والنفسية لحين التخلص منها اما بالكامل أو تدريجياً”.
وفي مرحلة ثانية يخضع المدمن/ـــة للتأهيل النفسي والأسري عبر تلقي محاضرات طبية تتحدث عن السلوك الإدماني والأمراض المرتبطة به مثل الإيدز والتهاب الكبد الوبائي.
غير أن خوف الأطباء يكمن في مرحلة ما بعد الانتهاء من الفترات العلاجية والتأهيلية، ويأتي تحديدا من “الانتكاسات” حيث يطلب ممن أتم العلاج مراجعة المركز مرتين اسبوعياً، وفي حال الخشية من انزلاقهم لعالم الإدمان، مرة أخرى، يعاد إدخالهم إلى المركز من جديد.
فتح أبواب التهلكة
لم تكن العشرينية مها (اسم مستعار) تعلم أن تعاطيها للجرعة الأولى لأحد أصناف المخدرات فتح أمامها أبواب التهلكة، ودفعها للتعرف على مروجي السموم، الذين “استغلوا” ظروفها الاجتماعية والمادية.
دخلت مها أبواب الجناح الوردي، ضحية لخلافات أسرية، وعندما عجزت عن مواجهة تلك الخلافات فضلت الهروب إلى عالم مجهول.
تقول “مشيت في طريق الموت والخوف، فتحولت إلى ضحية سهلة لمروجي السموم الذين وفروا لي السموم بسرية وحذر شديدين”.
وتلقي مها باللائمة على رفقاء السوء ممن كانوا سببا في إدمانها بعد ان أقنعوها أن الخلاص الوحيد من مشاكلها الاجتماعية هو المخدرات”. إذ كانت تتعاطى ثلاث جرعات في اليوم الواحد.
الأردن يواجه مشكلة التعاطي
ويقر العناني بأن “الأردن يواجه مشكلة تعاطي المواد المؤثرة عقليا، وخاصة لدى الفئة المنتجة في المجتمع (20- 45 عاما)”.
ويعد الحوار المفتوح بين الأهل والأبناء الذي يتخلله الصدق والصراحة، “أفضل رادع لأي اختراقات خارجية تسمح بدخول آفة السموم”، فيما يساعد “الإهمال بالعلاج في تراكم المشاكل وليس حلها”، وفق أخصائي علم الاجتماع الدكتور محمد الجرابيع.
ويحث الجرابيع الشباب على التوجه إلى الأطباء المختصين لعلاج الإدمان، بدلا من الأصدقاء الذين “قد يستغلونهم نفسيا وماديا وجسديا في ظل غياب الوعي والإدراك بالحياة أثناء فترة التعاطي”.
هذا الوضع دفع الجهات الأمنية، بالتعاون مع المراكز العلاجية الوطنية والخاصة، إلى تنفيذ حملات توعوية تثقيقية تستهدف مختلف شرائح المجتمع، وكان آخرها “الحملة التوعوية بمخاطر المخدرات 2019” بداية آذار (مارس) الحالي.
وفي السياق ذاته، أفادت مديرية الأمن العام في تقريرها الإعلامي حول خدمات وحداتها المتخصصة خلال العام 2018، بأنها قدمت العلاج من خلال مركز علاج المدمنين التابع لإدارة مكافحة الإدمان لحوالي 2105 مدمنين، منهم 999 شخصا تجاوزا الإدمان على “الجوكر”، في حين لم تتجاوز أعداد المتعاطيات للمخدرات في المملكة 100 حالة، من بينهن جنسيات غير أردنية.
ثلث متعاطي المخدرات فتيات
قد يؤثر “بحث الأسرة عن مبررات منطقية لغياب ابنتها عن المنزل أثناء فترة العلاج”، حسب الجرابيع “على سمعة الأسرة في بعض المجتمعات ويقلل من فرصها بالزواج مستقبلا”.
وعليه؛ يقترح الجرابيع أن يكون العلاج “خارج إطار مراكز الإدمان للفتيات”، على أن يتم تدريب أسرة المدمنة على مراقبتها داخل منزلها”، مشددا على دور التصميم والإرادة في إنجاح البروتوكول العلاجي لهن.
وعالميا، تشكل النساء والفتيات ثلث متعاطي المخدرات، مع ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات بين النساء عنها بين الذكور في بعض البلدان ذات الدخل المرتفع، إذ إن “خمس المستفيدين من العلاج فقط من النساء”، وفق التقرير الصادر عن الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات لسنة 2017.
إلى ذلك، تذهب مديرة مديرية التوعية والإعلام الصحي بوزارة الصحة الدكتورة عبير موسوس إلى أهمية إطلاق حملة وطنية تستهدف المدمنات لتشجيعهن للبدء بطريق العلاج بدل الموت”.
وتؤكد ضرورة أن تضم الحملة في عضويتها أطباء مختصين في علم النفس والاجتماع ومراكز علاج الادمان لتحديد أسباب امتناع الفتيات عن العلاج، ووضع الحلول البديلة لتشجيعهن على التخلص من براثن المخدرات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock