السلايدر الرئيسيترجمات

مدينة الأقنعة.. الهروب من كورونا في ووهان

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جورج فاهريون – (دير شبيغل) 26/1/2020
تعد مدينة ووهان الصينية، التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، مركزا لتفشي فيروس كورونا. وقد ذهبت مجلة “دير شبيغل” إلى هناك.
* * *
جاءت الأنباء السيئة عند الساعة الثامنة إلا ربعاً من صباح يوم الخميس. كنت قد استيقظت للتو في الفندق عندما بدأ الهاتف يرن. وقالت لي زميلتي، وو داندان، التي تعمل في مكتب “دير شبيغل” في بكين والتي رافقتني إلى ووهان: “لدينا مشكلة. السلطات تغلق المدينة. لن يسمح لأي شخص بالخروج بعد الساعة العاشرة صباحاً”.
لهذا النوع من الأخبار طريقة في إيقاظك على الفور. وتعد ووهان، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، المكان الذي نشأ فيه فيروس كورونا الجديد. وقد تم تسجيل معظم الإصابات والوفيات هنا، والأرقام تستمر في الارتفاع. ويُعتقد أن للفيروس فترة حضانة تصل إلى 12 يوماً. وإذا لم نسارع إلى الخروج، كما فكرتُ، فإننا سنظل عالقين في مركز اندلاع المرض لأيام عدة، وربما لأسابيع. في الحجر الصحي.
كنا قد وصلنا يوم الأربعاء قادمين من بكين لإلقاء نظرة مباشرة على الوضع في مستشفيات ووهان؛ في السوق؛ في محطة القطار وفي المطار، لأنه حتى مع انتشار الفيروس هنا، كان مئات الملايين من الناس في جميع أنحاء الصين يستعدون للاحتفال بالعام القمري الجديد مع عائلاتهم. وسوف يُطلق هذا الحدث موجة من المسافرين على غرار تلك التي يطلقها عيد الميلاد في أوروبا. وتشكل مدينة ووهان أحد مراكز السفر في البلاد. فما الذي يحدث لمدينة عندما تُجبر على الاستعداد لاستقبال وباء -بل وربما كارثة؟
كان سائق التاكسي الذي قابلنا في المطار في حالة مزاجية جيدة، سعيداً بالأجرة. قال إنه كان ينتظر راكباً منذ ثلاث ساعات؛ أي ضعف طول فترة الانتظار المعتادة. وقال إن قلة من المسافرين كانوا يأتون إلى ووهان. وعلى الطريق السريع، سرنا كيلومترات عدة من دون رؤية أي مركبة أخرى. وقال السائق إن العديد من سكان ووهان ينحدرون من الريف، وقد عادوا الآن إلى قراهم للاحتفال بالعام الجديد هناك. وعندما وصلنا إلى المدينة، زادت كثافة المرور قليلاً.
كان الجو بارداً، مع مطر خفيف ودرجة حرارة حول 7 مئوية. ووفقاً للتطبيق الخاص بمستوى الدخان على هاتفي، كانت جودة الهواء، التي عرضتها الشاشة باللون الأحمر، تعني “غير صحي”. ومع ذلك، ترك السائق النافذة مفتوحة قليلاً للحصول على بعض الهواء النقي –حسب سياسة الشركة. وكان يعتقد أن عدد الأشخاص المصابين حقاً هو أكبر من العدد المعروف لدى الجمهور، وأن عدد الوفيات كان أكبر أيضاً. وقال إن الحكومة بالتأكيد لم تكن منفتحة تماماً بهذا الخصوص. “هذا ما يحدث عندما يكون لديك نظام حزب واحد”.
مثل معظم الناس في المدينة، كنا نرتدي أقنعة طبية كبيرة تغطي أفواهنا وأنوفنا. كان هذا هو الانتصار الجانبي الأول للفيروس: تجريد سكان ووهان من وجوههم. وقد حفرت الأشرطة المطاطية في آذاننا وأصبحت بشراتنا متعرقة تحت النسيج. ومع ذلك، كنا نخلع أقنعتنا فقط لتناول الطعام. وعندما كنا نلمس مقبض باب، كنا نطهر أيدينا على الفور بمطهر. وخلال تلك الساعات الأربع والعشرين كلها، لم نصافح يد أحد على الإطلاق. كان هذا ثاني انتصار صغير للفيروس: عزل الناس، وجعلنا مذعورين ومصابين برهاب الشك.
فشلت محاولاتنا للاتصال بأطباء المستشفى وأخصائيي الفيروسات في المدينة. وكنا قد سمعنا أن الحكومة منعتهم من التحدث إلى الصحافة من أجل الاحتفاظ بالسيطرة على المعلومات بشأن الأزمة. وهكذا، ذهبنا إلى عيادة الجامعة. وفي أروقة المبنى رقم (1)، الذي يضم قسم الأمراض المعدية، كانت هناك حفنة من المرضى، وإنما العديد من المقاعد الطويلة الفارغة.
كان ثمة المزيد يحدث في منطقة استقبال المرضى الذين يعانون من الحمى. كان هناك نحو دزينتين من الرجال والنساء في الردهة. وكانت الممرضات اللواتي يرتدين بدلات واقية، مع دروع بلاستيكية أمام وجوههن، يدونَّ المعلومات التي يأخذنها من الناس. وأخبرنا رجل بعمر 40 عاماً كان يرافق صديقه أن كل شيء يحدث بطريقة سريعة ومنظمة هنا، مضيفاً أنهما وصلا قبل نصف ساعة فقط وأنه تم أخذ عينه من دم صديقه مسبقاً.
ذهبنا أيضاً إلى محطة قطار هانكو لإلقاء نظرة على الوضع هناك. كانت أول امرأة تحدثنا إليها ممرضة تحت التدريب. قالت إنها تتدرب في عيادة الرئة التابعة للبلدية، وأخبرتنا أنها جاءت إلى المحطة لتغيير تذكرتها حتى تتمكن من العودة إلى المنزل اليوم بدلاً من يوم غد. وقالت إن الوضع في المستشفى الذي تعمل فيه كان متوتراً؛ حيث هناك الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس وعدد قليل جداً من الأسرة. ونصيحتها؟ “لا تبقوا هنا طويلاً”.
كان المكان الوحيد الفارغ حقاً في المدينة هو سوق هوانان الكبير؛ حيث كان بإمكان المتسوقين قبل فترة قصيرة شراء الأسماك والسرطانات والدجاج وغيرها من الحيوانات. والسوق هو مركز الوباء؛ حيث جاء أوائل الأشخاص المصابين بالفيروس من المنطقة المحيطة بالسوق -من السكان والعاملين في رعاية الحياة البرية. ويُزعم أنه كان من الممكن أيضا شراء جراء الذئاب، والثعابين، وقطط الزباد هنا، لكن الأكشاك أصبحت الآن خاوية منذ أسابيع خلف حمايات الواجهات الحديدية المشبّكة والمصاريع. وكانت الأرصفة أمام السوق فارغة.
ليس من السهل كثيراً وصف الأجواء التي تخيّم على المدينة. ثمة توتر يحوم في الهواء، لكننا رأينا أناساً بلا أقنعة على الوجوه. لم تكن حركة المرور كثيفة كما قد يتوقع المرء في هذا الوقت من العام، لكن المدينة لم تتوقف تماماً بعد. كان الأمر كما لو أن المدينة في حالة من الليمبو؛ كما لو أن الناس يتهيؤون لتلقي التأثير.
أعلنت السلطات عند الساعة الثانية من صباح يوم الخميس -بينما كانت المدينة، بما فيها نحن، نائمة- أنه سيتم تطويق ووهان وعزلها. وفي الصباح، كان علينا اتخاذ القرار: هل يجب أن نحاول الخروج بالسيارة؟ ولكن، حتى لو تمكنا من الخروج من المدينة في الوقت المناسب، فهل سيُسمح لنا بمواصلة السير بلوحة ترخيص تابعة لووهان؟ قررنا أن نتوجه إلى المطار، على الرغم من أنها لم تكن لدينا تذاكر. كانت جميع الطائرات التي ستغادر ووهان قبل العاشرة صباحا ممتلئة. وببطء، تصاعد خوفنا من احتمال أن نُحبَس هُنا مع 11 مليون شخص، الكثير منهم يحملون الفيروس.
بعد 15 دقيقة، تمكنا من إيقاف سيارة أجرة. لم يُدر السائق العداد، وبدلاً من ذلك طلب 200 يوان، حوالي 26 يورو -أي ضعف المبلغ الذي دفعناه للرحلة نفسها في اليوم السابق. وعندما وصلنا إلى المطار، كانت مجموعة من سيارات الشرطة السوداء متوقفة أمام محطة المغادرة، تومض على سقوفها الأضواء الزرقاء. يبدو أن الحكومة لن تتسامح مع أي مشكلة يثيرها الركاب الذين رفِضوا أو لم يجدوا مكاناً في الرحلات الجوية.
أظهرت لوحة إعلان الرحلات المغادِرة الكثير من اللون الأحمر، حيث تم إلغاء معظم الرحلات الجوية. وجَّهتني داندان إلى مكتب تسجيل الوصول لطيران زيامين. وبينما نسير إلى هناك، اشترت تذكرتين بواسطة هاتفها الذكي على رحلة الساعة 11:05 إلى شينينغ، عاصمة مقاطعة تشينغهاي في غرب البلاد. لم تعد الرحلات الجوية إلى بكين تقلع. أعطانا الموظف بطاقتي صعود إلى الطائرة وأخبرنا بأننا يمكن أن نستبدلها إذا مُنعت الطائرة من الإقلاع.
انتهى بنا الأمر في مقاعدنا في الطائرة. كانت هذه الطائرة على الأرجح واحدة من آخر الطائرات التي غادرت ووهان في ذلك اليوم. لقد تمكنا من الهروب من الطوق، بعد ساعة واحدة من بدء الإغلاق.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: City of Masks: Escaping the Coronavirus in Wuhan

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock