أفكار ومواقف

مدينة بنيت على عجل

د. منذر الحوارات

خلال أشهر تسعة وأنا أجوب شوارع عمان باتجاه عملي في الذهاب من طريق والإياب من طريق آخر عدا عن ازدحام الطريق وحالة الإرهاق المعنوي التي ترافقني في الاتجاهين بسببه، كان ثمة أمر آخر استحوذ على انتباهي وهي الطريقة التي تتكدس فيها الأبنة بشكل عشوائي فوق بعضها البعض على جانبي الطريق وكأنها علب من الكبريت بدون أي تنظيم وتفتقر إلى أي شكل هندسي ومعماري يعبر عن أنها تمت بأي صلة إلى الطرف الغربي الأكثر ترفاً وتنظيماً، وأنا هنا لا أريد أن أتحدث عن الأشكال الهندسية أو الألوان المفعمة بالحياة بل عن أبسط أمور الحياة والخدمات الرئيسة التي يتطلبها الإنسان في أي مكان للسكن، حاولت أن استكشف بعض الأحياء وصدمني حجم الإهمال الذي تعانيه فكل شيء غارق في الفوضى فأبسط عناصر التنظيم غير متبعة أو مطبقة وتكرس لدي اعتقاد بأن كلّ ساكن قرر أن يبني منزله وفق أهوائه هو بدون الرجوع لأي معايير معتمده في البناء والسلامة العامة.

كان سؤالي الدائم ما هي الظروف التي دفعت الساكنين للبناء بهذه الطريقة الخطرة؟ كنت أحاول تفسير هذه الظاهر وإن بطريقة لا تستند إلى أسس واضحة إنما كنت كمن يحاكي نفسه، فعمر المدينة حديث ولم يتجاوز عشرة عقود لكنها مرت بتدفقات هائلة من اللاجئين أغلبها كانت بعد حروب طاحنة وبحكم الخوف اندفع هؤلاء المهاجرون لاختيار مكان السكن بمناطق مرتفعة تمكنهم من مراقبة مصادر الخطر والهروب منها حفاظاً على حياتهم وكون الهاربين كانوا من عائلات واحدة لذلك قرروا الاحتماء ببعضهم البعض وهذا هو السبب الذي أدى لتجمعهم بهذه الطريقة المكتظة وكأنهم يعانقون بعضهم البعض لصد أي خطر، ولا يجب أن ننسى هنا القادمين من الأرياف بحثاً عن مصادر الرزق، كان هذا تفسيري الذي تفتقت به أفكاري لكن السؤال بدأ يلح عليّ إذا كان سكان هذه الأحياء قد ارتكبوا خطأً بطريقة البناء وسلامته فأين الجهات الرسمية من تصحيح هذه الأخطاء فهذه الأحياء الهامشية تفتقر إلى أي مقومات يمكن أن تتميز بها المدن الحديثة أو حتى شبه الحديثة، والأخطر من كل ذلك هو مستوى أمان هذه المساكن المعدوم.

في نفس اليوم الذي وقع فيه انهيار عمارة اللويبدة المؤلم خطر ببالي سؤال أصابني بالهلع، ماذا لو حدثت هزة أرضية بقوة شديدة في مدينة عمان لا قدر الله، ماذا سيحدث لهذه الأحياء القديمة المكدسة فوق بعضها بعضا، إذ لا يوجد تجربة حديثة لمثل هكذا حدث وأرجو من الله ألا يحصل، لكن التفكير العقلاني والإستراتيجي يجب أن لا يستبعد أي خطر وإن كان بعيد الاحتمال بل ويجب أن توضع الخطط للتعامل معه، أما أنا فقد بدأت الأسئلة تلح على مخيلتي بدأً من منظر هذه المباني كيف ستصبح ومصير الساكنين فيها وكيف يمكن إنقاذهم أو كيف يمكن الوصول إليهم في بيئة جبلية معقدة، وهل لدينا الآليات والأدوات اللازمة لذلك وغيرها من الأسئلة الكابوسية، لم أستطع الإجابة أبداً عن أي منها بحكم عدم معرفتي، أو ربما كانت أسئلتي من السذاجة بحيث لا يمكن الإجابة عنها، وفي المساء فُجعت كما جميع الأردنيين بانهيار مبنى في منطقة أقل فوضى من تلك الأحياء لكن هذا الحادث أكد مخاوفي بأن لا شيء مستحيل وأن هذه إشارة مبكرة إلى أن العمر الافتراضي لهذه المباني المتهالكة بدأ ينفذ، وأن ما حصل في اللويبدة لا يبدو سوى مقدمة صغيرة لما يمكن أن يحلّ بمبان أخرى.

إن ما يؤلم حقاً أنه في الوقت الذي يفكر فيه العالم بمدن ذكية صديقة للبيئة والإنسان ما تزال عمان غارقة في التخطيط المركز على خدمة السيارات أكثر من خدمة الإنسان، والمولات أكثر من مستخدميها والتوحش الإسمنتي أكثر من أنسنة المدينة، لن ألوم قيادات الحاضر فما تعاني منه المدينة وأهلها هو مزيج مركز ومتراكم من الفساد المالي والإداري وسوء التخطيط خلال عقود عمرها أوصل صانعي القرار إلى إنكار أن بعض عمان يتهدده خطر داهم يهدد حياة ساكنيها ومستقبلهم وعمارة اللويبدة ليست سوى جرس إنذار دقته يد القدر علَّ وعسى أن نفيق من غفوتنا حيال مستقبل المدينة القديمة والمبنية على عجل وبهلع. وباعتقادي أن الوقت قد حان لدراسة هذه الأحياء بشكل شمولي من حيث أهليتها للسكن ومقدرتها على الصمود بوجه أي كارثة طبيعية وإيجاد الحلول المعقولة لها.

المقال السابق للكاتب 

جدتي الملكة توفيت

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock