أفكار ومواقف

مذابح الكنعانيين بالعهد القديم: نقاش ساخن بين توراتيين يبررونها ومفكرين يرفضونها (2-1)

وليم لين كريج الذي يوجه إليه النقد بهذه الدراسة فيلسوف أميركي مسيحي لاهوتي، بل أحد أشد اللاهوتيين الدفاعيين (Apologists) في العالم عن الدين المسيحي بجزأيه: العهد القديم والعهد الجديد. وهو خريج كليات وجامعات لاهوتية أوروبية وأميركية وأستاذ متنقل بينها، وهو واحد بين أكثر من خمسين فيلسوفاً من الأحياء الأكثر تأثيراً في العالم (ويكبيديا).
أما بول كوبان مؤلف كتاب: (Is God A Moral Monster) الوارد ذكره في هذه الدراسة فهو أيضا مسيحي لاهوتي وفيلسوف تحليلي دفاعي ومؤلف، وأستاذ جامعي في اللاهوت المسيحي. وقد بدأ حياته في هيئة رعاية كنسية في الكنيسة المشيخية الأولى في نيويورك. وهو ينتقد العلم والعلماء بشدة مدعياً “أن العلمية نفسها لا يمكن إثباتها علمياً”. كما أنه معروف بدفاعه الشديد عن أخلاق العهد القديم، وبخاصة نظرية الأخلاق الإلهية. ويدعي انه لا يوجد دليل أركيولوجي على وجود سكان مدنيين في مدينتي أريحا وعكا في فلسطين اللتين دمرهما اليهود حسب التوراة (العهد القديم) بشراً وحيواناً ونباتاً وحجراً، جنباً إلى جنب ملوك الكنعانيين وبقية الكنعانيين في فلسطين لينفي عن عهد التوراة /العهد القديم، [عن اليهود] تهمة الإبادة التي أمر بها إلههم يهوى للشعب الكنعاني والإستيلاء على أرضه. كما ينفي صفة العبودية عن العبيد ويدعي أنهم كانوا أفراداً مدنيين يخدمون سبع سنوات للدائن لإسترداد دينه عليهم (ويكيبيديا).
أما ثوم ستارك الوارد ذكره في هذه الدراسة، فهو مؤلف كتاب: (The Human Faces of God) فهو عالم دين مسيحي أميركي مثل زميليه السابقين ولكنه يختلف عنهما بتخصصه في اللاهوت المسيحي والفقه الإسلامي أيضاً، وفي أن التوراة ليست معصومة من الخطأ، مما يوجب قراءتها بصورة جديدة، ناقدة. وقد أثار كتاب المذكور زوبعة شديدة بين المسيحيين/ الإنجيليين في أمييكا. ووقف إلى جانبه كثيرون في ما ذهب إليه. من نقد مرير للعهد القديم. ومما قاله أحدهم بعد قراءة هذا الكتاب: أن كتابه نموذج لاهوتي ملتزم بإسماعنا صوت ضحايا التاريخ، وبخاصة ضحايا تقاليدنا الدينية.
ومن ذلك أن مفكراً مسيحيا دفاعيا (Apologist) هو وليم لين كريج، كتب موضوعا في موقع له على الإنترنت بعنوان (Reasonable Faith) يبرر فيه دينيا مذابح اليهود القدماء للكنعانيين المبينة في العهد القديم.
يرد عليه مفكر يرفض تبريره بقوله: لقد فكرت ثانية في مذابح الكنعانيين، وصرت أراها على نحو لم أألفه من قبل. لقد قرأت هذه المذابح عدة مرات أو ناقشتها على مواقع الإنترنت. وبما أن الدفاعي أو الإعتذاري وليم لين كريج هو الأعلى صوتا في التبرير، على الأقل في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، فسوف أناقش تبريره المستميت لهذه المذابح.
كنت أكاد – كلما اقرأ موقعه ومبرراته – أكسر شاشة الكمبيوتر بسبب الفساد و/ أو الشر الأخلاقي الغارق كريج فيه في دفاعه المستميت عن بربرية العصر الحديدي، فكريج لا يترك أي محاولة إلا ويستخدمها للثناء على يهوى [إله اليهود] وعلى الأخلاق الموسوية [نسبة إلى النبي موسى] لإحماء القارئ وبحيث يرى الكمال في إله العهد القديم.
إنه يقول: “مع أن الأمر بقتل الكنعانيين يهز القارئ لأنه يبدو غريبا عن صورة يهوى – إله إسرائيل- الموصوفة في الكتب العبرية المقدسة، لأن إله التوراة هذا هو إله العدل، والمعاناة الطويلة، والرأفة”.
لكن نظرة فاحصة لأوامر يهوى العديدة لإبادة الكنعانيين لا تتناقض مع طبعه أو سجيته، فغزو أرض كنعان وإبادة الكنعانيين ليست سوى البداية لسلسلة من الإبادات. إن كل قارئ للعهد القديم يفهم – أصلا وفصلاً– أن يهوى مسؤول عن القتل الجماعي لسكان الكوكب حسب سفر التكوين وقتل المواليد في مصر، والعديد من الناس لأسباب تافهة. وهي أمور لا تخرج عن سجيته أو طبعه. وما هو غريب عن طبعه وبخاصة نحو الكنعانيين أمره الآخرين للقيام بالذبح نيابة عنه، بدلا من قيامه به بنفسه، وهو أمر غريب حقاً.
يقول كريج: “إنه لا يستطيع قراءة أنبياء العهد القديم بدون الإحساس برعاية الله (يهوى) الواسعة للفقراء والمظلومين والمسحوقين واليتامى، فالله يريد قوانين وقواعد عادلة”.
ونرد عليه أن القانون الموسوي الوارد في أسفار الخروج، واللآويين، والتثنية، وفي غيرها من كتب العهد القديم، أبعد ما يكون عن العدل، فمن بين أوامر يهوى “العادلة” في العهد القديم أوامره بالتضحية بالطفل: “لا تؤخر تقديم باكورة محصول بيدرك ومعصرتك، وأعطني أبكار بنيك” (سفر الخروج: 22 – 22). وبيع البنت لتصبح عبدة دون إمكانية حصولها على الحرية بعد سبع سنين كما هو متاح للذكور الإسرائيليين: ” ولكن إذا باع رجل ابنته كأمة، فإنها لا تطلق حرة كما يطلق العبد” (سفر الخروج: 21– 7). وببقاء الأجانب عبيداً للإسرائيليين مدى الحياة، وبدون أي مانع للمعاملة القاسية لهم: ” وليكن عبيدكم وإماؤكم من الشعوب التي حولكم، منها تقتنون عبيدا وإماء، وكذلك من أبناء المستوطنين النازلين عندكم، فمنهم ومن عشائرهم، الذين عندكم المولودين في أرضكم، تقتنون عبيدا لكم. وتورثونهم لبنيكم من بعدكم ميراث ملك، فيكونون عبيدا لكم إلى الأبد ” (سفر اللاويين:22– 44– 46) والقائمة تطول.
لا يمكن لأي مجتمع عقلاني حديث تبني مثل هذه القوانين البربرية. إنه من غير المفهوم أن تصدر هذه القوانين عن إله “العدل”، والمعاناة والرأفة. كان يجب على كريج أن يقول هذا ولكنه لا يستطيع الاعتراف أن أخلاقية يهوى هي –فعلاً – أخلاقية مريضة وملتوية، وإلا هجر هذه الخطابات باعتبارها قصصا وقوانين من صنع الإسرائيليين.
ويقول كريج: “تحتوي أسفار موسى الخمسة على الوصايا العشر، أحد أعظم الشرائع الأخلاقية القديمة التي شكلت المجتمع الغربي، وحتى الضيق منها كالعين بالعين والسن بالسن، لم يكن وصفة للانتقام، بل ردعا للعقوبات الزائدة لأي جريمة عن الحد. إن هدفها تخفيف العنف”.
ونرد عليه بقولنا: إن كثيراً من الوصايا الموسوية استُوحيت من ما هو أكثر إنصافا وتقدمية وإنسانية منها، أي من شريعة حمورابي البابلية.
ويقدم اللاهوتي الحر توم ستارك في كتابه: (The Human Faces of God) رداً على بول كوبان الذي يدافع عن أخلاق العصر الحديدي، أمثلة كثيرة يستشهد بها ليثبت أن حمورابي كان أكثر إنسانية (من موسى) فحسب القانون الموسوي: إذا أحضر والدان ابنهما المتمرد للكبار فإنه لا يحاكم وإنما يعدم فوراً. أما في بابل فكانت تجري محاكمة حقيقية له. وإذا تبين أن الابن مذنب، فعلى الأب – قانونيا- مسامحته في المرة الأولى. وإذا تبين أنه مذنب في المرة الثانية فإنه ينكره ويتخلى عنه، أي أنه لا يعدم ولا بالحجارة يرجم. إنه ينكره فقط وتُحل المشكلة. ويبدو أن كريج إما أنه جاهل عمدا وإما أنه يكذب متعمدا، ليجعل القانون الموسوي يبدو أكثر تقدميا، فأيهما ترى أيها القارئ.
ويقول كريج: افرض أننا اتفقنا أنه إذا كان الإله ( الكامل الخير) موجوداً، فإنه يستطيع أن يصدر مثل هذه القوانين. يتبع ذلك إن المسيح لم يقم من بين الأموات؟ وإن الإله غير موجود؟ إن ذلك من الصعوبة بمكان، إذن ما المشكلة التي يجب أن تفترض؟.
ونرد عليه: تلكم نقطة جيدة. يستطيع المسيحي اتخاذ الموقف الليبرالي والتخلي عن فكرة أن التوراة لا تخطئ، وإن كلمة الله كاملة، وان يتخلص من الأجزاء غير المستساغة في التوراة، وألا يقصر ذلك على العهد القديم، بل على العهد الجديد أيضاً، بما في ذلك ما قاله المسيح كذلك، وهو ما يفعله ملايين المسيحيين اللبراليين. الخيار الآخر أن التوراة بعهديها كتاب من صنع البشر، وأنه إلى جانب هذا النوع البربري من الأخلاق، يوجد جهل بعلم الكون.
نعم، اعتقد ان المرء يمكن أن يستنتج – عقلياً – أن المسيح لم يقم من القبر، وإن الله غير موجود، وعلى الأقل: الإله التوراتي.
ويا للسخرية، يقول كريج: يشك كثير من نقاد العهد القديم بمذابح الكنعانيين، وإنها مجرد قصص وخرافات عن تأسيس إسرائيل (القديمة) شبيهة بخرافات روملّس وريموس الخاصة بتأسيس مدينة روما. وهكذا تتبخر بالنسبة لهؤلاء مشكلة إصدار الله مثل هذه الأوامر”.
ولكن كريج لا يوافق على هذا الاستنتاج كما يفعل المسيحيون واليهود الليبراليون. إنه يدافع عنها كحقائق مسلّم بها، لأنها إذا لم تحدث فلا يبقى ثمة مشكلة ليهوه. ولكن كريج يُدافع عن مصداقية العهد القديم حرفياً. يقول كريج: بما أن الله لا يصدر أوامر لنفسه، فإن لا واجبات عليه ينفذها، إنه بالتأكيد لا يخضع للإلتزامات الأخلاقية أو الأوامر والنواهي، نفسها، مثلنا” .
تلكم هي المشكلة بالضبط: فكرة الأخلاقية الإلهية الآمرة. فإن تنفي الواجبات الأخلاقية الملزمة عن الله ينفتح عقلك لفكرة إن الله يستطيع إن يعمل ما يرغب فيه. فهو مثل كل شيء: الإله أو الرئيس. وبالإضافة إلى ذلك: ” إذا كانت وصاياه وأوامره تصدر من حبه الكامل وطبيعته المقدسة فإن أفعاله يجب أن تكون متناغمة مع وصاياه /أوامره. وإذا لم تكن فإن كريج لا يستطيع أن يقول: أن الله خير ومطلق، لأن كلمة خير عندئذ تصبح عديمة المعنى”.
يقول كريج: “لا املك – مثلاً – الحق لقتل إنسان بريء. إن إعمالي لهذا الحق يعني القتل، لكن ليس لله مثل هذا المانع. إنه يستطيع إن يمنح الحياة وأن يأخذها كما يحلو له. إننا جميعاً نتهم السلطة التي تمارس القتل أنها تقوم بدور الله، وكأن السلطات البشرية تنسب لنفسها حقوقاً تخص الله فقط. ولكن ليس على الله أي التزام بتمديد عمري لثانية أخرى. إذا أراد موتي الآن فإن ذلك حق له ومقصور عليه” .
ونرد على كريج بالقول: ” إن كل طبيب يقوم “بدور الله” تقنياً، ولكنه أمر لله بتمديد الحياة، أو بإنهائها، إذا كنت تؤمن أن الحياة كلها خاضعة لإرادة الله وليس للظروف الطبيعية، وشيء آخر فهو أمر الناس بارتكاب مذبحة بالجملة، وبخاصة إذا كنت تدّعي أنك نموذج المحبة والرحمة والرأفة.
إن هذا يعني – في نظر كريج – إن لله الحق بأخذ حياة الكنعانيين عندما رأى ذلك ملائماً، أي أن كم يعيشون ومتى يموتون مسألة خاصة به .
طبعاً. يقول كريج: إن ذلك صحيح لأن الله يستطيع أن يفعل ما يشاء، لأنه لا واجبات أخلاقية عليه تحوم فوق رأسه وتقف في طريق أمره بالإبادة. ثم يقول: أو ليس ذلك شبيهاً بأمر شخص ما بارتكاب جريمة قتل؟ لا، ليس كذلك أبداً لأن واجباتنا الأخلاقية مقررة بأوامر الله، فان الطلب من شخص ان يعمل شيئاً ما بغياب أمر إلهي قد يعني القتل. الفعل الذي كان ملزماً أخلاقياً لجنود إسرائيل تلبية لإرادة الله. لو قاموا بالمذابح على مسؤوليتهم الخاصة لكان الفعل خطأ / جريمة.
هنا يقع كريج في خلل مميت حسب نظريته في الأمر الإلهي عندما زاوج استجابته بمعضلة ايوتايفرو (Eythyphro Dilemma) (في محاورات أفلاطون السقراطية عن النظرية الأخلاقية) فالفعل كالقتل يمكن أن يكون خطاً/جريمة من ناحية، أو إلزاماً لنا من ناحية أخرى، لأن واجباتنا الأخلاقية مقررة بأمر الله!!
إذن وحسب قول كريج، فإن ما هو خطأ أخلاقياً يمكن أن يكون صواباً أخلاقياً وحتى إلزاماً أخلاقياً إذا أمر الله به. وهو بالضبط مثل اتخاذ موقف في معضلة ايوتايفرو: إن سلوكاً ما حسن أخلاقياً لأن الله أمر به، لم يأمر الله به لأنه حسن أخلاقياً أصلاً. إن مثل هذه المواقف / القرارات يمكن أن تكون اعتباطية أو استبدادية أو حرّة أي حسب ما يراه الله ملائماً. وهكذا يعترف كريج – ولكن بدون قصد – أنه لا مجال للخروج من معضلة ايوتايفرو المذكورة سابقاً.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock