أفكار ومواقف

مراجعة تجربة الانتخابات: تقييم يمهد لخريطة طريق

بما لها وما عليها، باتت الانتخابات النيابية الأخيرة خلف ظهرنا، ودخلنا سريعا في “معمعة” ماراثون مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة التي ما يزال السادة النواب يختلفون على جنسها ونوعها، تماما كما نختلف نحن المراقبين على تصنيف الكتل النيابية المتشكلة؛ ما إذا كانت كتلا حقيقية، أو مجرد إعادة إنتاج للتجربة المشوهة لكتل مجلسي النواب الماضيين.
حتى الآن، لم ندخل في جودة المنتج الحكومي المقبل، رغم أن مؤشرات تشكيل الحكومة لا تبشر بالتفاؤل. وعلى الأغلب، لن تخرج آليات اختيار الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية كثيرا عن آليات التشكيل السابقة، ربما باستثناء وحيد، سلبياته أكبر من إيجابيته، وهو أن “طبخة الحكومة سيكثر طباخوها” هذه المرة؛ فالرئيس المكلف المرتقب سيكون معنيا ومضطرا للأخذ بالتوصيات المتضاربة والمتناقضة للكتل النيابية، والتي لا تملك من الواقع العلمي للكتل سوى اسمها، ما يمكنك معه توقع طبيعة مشاركتها وتنسيباتها بالوزراء!
ليست القصة تقليلا من أهمية مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، ولا من حجم التحديات والمهام المطلوبة منها، لكن الملفت للمراقب اليوم أن الأصوات المطالبة بمراجعة تجربة الانتخابات النيابية، وقانونها، وتجليات تطبيقه، بما فيها القائمة الوطنية العامة التي تمخضت، بعد تفاؤل واستحسان، عن إحباط وفشل لروح الفكرة، هي أصوات ما تزال محدودة، خاصة من داخل “السيستم”.
وباستثناء مطالبات القوى السياسية، وتحديدا المعارضة وبعض الشخصيات السياسية، إضافة إلى رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب، عبدالإله الخطيب، بضرورة مراجعة وتعديل قانون الانتخاب، وتقييم السلبيات والعثرات التي رافقت الانتخابات الأخيرة، وضرورة تجاوزها، يبدو هذا المطلب غير ذي أولوية لدى أغلب النواب، والحكومة، وباقي الجهات الرسمية!
بعد شهر من انتهاء الانتخابات النيابية، وصدور تقارير محلية ودولية عن مجرياتها، والملاحظات السياسية والقانونية والإجرائية على العديد من مفاصلها، بات ممكنا اليوم تلخيص أهم هذه الملاحظات والثغرات، والتي يمكن وضع خريطة طريق واضحة لتجاوزها، متضمنة محاور سياسية وقانونية وتنظيمية، تمكن من البناء على إيجابيات التجربة، وتعالج اختلالاتها.
وبعيدا عن التفاصيل الكثيرة لملاحظات وتحفظات ومشاهدات مراقبي الانتخابات والإعلام والقوى السياسية، لمجريات العملية الانتخابية بكل مراحلها، يمكن التأشير في هذه العجالة إلى أن ثمة قواسم مشتركة وملاحظات جوهرية تكاد يتفق عليها الجميع عند تقييم تلك التجربة، وهي ما يمكن لخريطة الطريق المقترحة أن تتضمن معالجات ومقاربات سريعة لها.
على رأس هذه القواسم الاتفاق العام على ضرورة تعديل قانون الانتخاب، بعد أن خلصت أغلب القوى والسياسيين، من خارج التيار المحافظ طبعا، إلى سلبية القانون الحالي، بل و”كارثيته” على الحياة السياسية والبرلمانية، وعدم قدرته على إنتاج مخرجات نيابية ترضي الطموح والحد الأدنى من توقعات الناس في عصر الربيع العربي!
أما القائمة الوطنية العامة التي دخلنا تجربتها لأول مرة في الانتخابات الأخيرة، فقد أُفرغت من مضمونها وروحها، عبر قَصْرِها فقط على 27 مقعدا نيابيا من أصل 150؛ أي أقل بقليل من 20 % من القوة التصويتية لمجلس النواب، مع فتحها لغير الأحزاب والقوى السياسية المنظمة، فضلا عما شاب تعليماتها وآليات الانتخاب والفرز الخاصة بها، واحتساب نتائج الناجحين فيها، من اختلالات وسلبيات جوهرية، ضربت، في المحصلة، الفكرة من أساسها.
هذان المطلبان الرئيسان هما القاسم المشترك والجوهري لحصيلة عملية التقييم للعملية الانتخابية الأخيرة. يضاف إليهما، طبعا، وبالارتباط بهما، ضرورة تحقيق التوافق الوطني، والحرص على مشاركة جميع القوى والأطياف في الاستحقاقات المهمة، كالانتخابات النيابية.
هي خريطة طريق سياسية واضحة، يمكن لمجلس النواب أن يبادر سريعا إلى طرقها، وتشكيل حاضنة حوار وطني لإنتاجها والوصول إليها. فهل يفعلها؟!

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock