ترجمات

مرحباً بكم في عصر الأوبئة

بيتر دازاك* – (نيويورك تايمز) 27/2/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

نحن بحاجة إلى إيقاف ما يحرك الأوبئة الجماعية بدلاً من مجرد الاستجابة للأمراض الفردية.

  • * *
    في أوائل العام 2018، خلال اجتماع عقد في منظمة الصحة العالمية في جنيف، صاغت مجموعة من الخبراء الذين أنتمي إليهم، مجموعة (مخطط البحث والتطوير) مصطلح “المرض س”: كنا نشير بذلك إلى الوباء التالي الذي يمكن أن يتسبب به مرض غير معروف؛ إلى عامل جديد مسبب للمرض والذي لم يدخل أجساد البشر بعد. وفي الوقت الذي يقف فيه العالم اليوم على حافة هاوية وبائية، يجدر بنا أن نتوقف هنيهة للنظر فيما إذا كان فيروس كورونا Covid-19 هو المرض الذي كانت مجموعتنا تحذر منه.
    “المرض س”، كما قلنا في ذلك الوقت، سينتج على الأرجح عن فيروس ينشأ في الحيوانات ويظهر في مكان ما على هذا سطح الكوكب حيث تدفع التنمية الاقتصادية الناس والحياة البرية إلى بعضهم بعضا. ومن المحتمل أن يتم الخلط بين “المرض س” والأمراض الأخرى في الأوقات المبكرة من تفشي المرض، وسوف ينتشر المرض الجديد المجهول بسرعة وبصمت؛ وباستغلال شبكات السفر والتجارة البشرية، سوف يصل إلى بلدان متعددة ويتغلب على جهود الاحتواء. وسيكون للـ”مرض س” معدل وفيات أعلى من الانفلونزا الموسمية، ولكنه سينتشر بسهولة مثل هذه الأنفلونزا. وسوف يهز الأسواق المالية -حتى قبل أن يصل إلى مرحلة الوباء.
    باختصار، فيروس كورونا هو “المرض س” الذي كنا نتحدث عنه
    على الرغم من وجود دلائل على أن انتشار الوباء ربما يتباطأ في الصين، أبلغت مجتمعات ودول متعددة الآن عن انتقال مستمر للمرض في وسطها. وقد ازداد عدد الحالات المؤكدة في كوريا الجنوبية بحدة في الأيام الأخيرة. وفي إيطاليا، يتم إغلاق القرى والبلدات، كما تعطَّل أسبوع الموضة في ميلانو وتم إلغاء المهرجانات، بينما تبحث سلطات الصحة العامة عن “المريض صفر” لتحديد هوية الشخص الآخر الذي يحتمل أن يكون مصاباً والذي قد ينشر المرض في أوروبا. ويبدو أن إيران أصبحت مركز بث جديدا للمرض. وسوف يواجهنا هذا الوباء الذي يخيم على الأفق بطرق جديدة؛ حيث يحاول الناس التهرب من الحجر الصحي، كما أن حملات التضليل ونظريات المؤامرة تفعل فعلها الآن في الديمقراطيات المفتوحة.
    ولكن، بينما يكافح العالم للاستجابة لفيروس كورونا، فإننا نخاطر بفقدان الصورة الكبيرة الحقيقية: أن الأوبئة آخذة في الازدياد، ونحن بحاجة إلى احتواء العملية التي تحركها من الأساس، وليس مجرد التعامل مع الأمراض الفردية فحسب.
    إن الأوبئة ليست جزءا من ثقافتنا فقط؛ إنها تنجم عنها. وقد انتشر الموت الأسود (الطاعون) في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر مع نمو التجارة على طول طريق الحرير. وظهرت سلالات جديدة من الانفلونزا من تربية الماشية. وتم ربط الإيبولا والسارس، وفيروس كورونا الآن، بالحياة البرية. وتبدأ الأوبئة عادةً كفيروسات في الحيوانات، والتي تقفز إلى الناس عندما نتواصل معها.
    تتزايد هذه الحالات من الامتداد والانتشار الكبير عندما تأخذنا بصمتنا البيئية أقرب إلى الحياة البرية في المناطق النائية، وحيث تؤدي تجارة الحيوانات البرية إلى جلب هذه الحيوانات إلى المراكز الحضرية. ويجعلنا بناء الطرق غير المسبوق، وإزالة الغابات، وتطهير الأراضي والتنمية الزراعية، فضلاً عن السفر والتجارة المعولمين، أكثر عرضة لمسببات الأمراض مثل فيروسات كورونا.
    ومع ذلك، فإن إستراتيجية العالم للتعامل مع الأوبئة غير كافية على الإطلاق وبطريقة يرثى لها. في كامل الطيف، من السياسيين إلى الجمهور، ما نزال نعامل الأوبئة كمسألة استجابة للكوارث: ننتظر حدوثها ونأمل أن يتم تطوير لقاح أو عقار بسرعة في أعقابها. ولكن، حتى بينما يهاجم فيروس كورونا الآن، ليس هناك لقاح متوفر لفيروس السارس الذي ظهر في 2002-2003، ولا لفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، أو لـ”زيكا” أو لمجموعة من مسببات الأمراض الناشئة الأخرى. والمشكلة هي أنه بين موجات تفشي الأمراض، تكون إرادة إنفاق الأموال على طرق الوقاية، وسوق اللقاحات والعقاقير المضادة للأمراض الفيروسية المتفرقة، غير كافية لدفع البحث والتطوير.
    خلال اجتماعها لبحث الصحة العالمية في العام 2016، أنشأت منظمة الصحة العالمية مجموعة “مخطط البحث والتطوير” لسد هذه الفجوة، وأعلنت عن قائمة أولويات لمسببات الأمراض التي تهدد الصحة العالمية والتي لم تكن توجد لها لقاحات أو أدوية في قيد التطوير. وكان السارس متضمناً في القائمة، وكذلك متلازمة فيروس كورونا التنفسية الشرق أوسطية MERS، وفيروس نيباه Nipah، والإيبولا وغيرها من الأمراض النادرة -وإنما الخطيرة- الناجمة عن الفيروسات الوبائية. وتقدم “التحالف من أجل ابتكارات التأهب للوباء” -وهو شراكة عالمية بين منظمات القطاعين العام والخاص والمنظمات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني، تم إطلاقها في دافوس في العام 2017- إلى العمل وحشد التمويل لتطوير لقاحات وعلاجات ضد بعض هذه الأمراض.
    للهروب من “عصر الأوبئة”، سوف نحتاج إلى التعامل معها كمشكلة صحة عامة، والشروع في العمل على الوقاية منها بالإضافة إلى الاستجابات. ويجب أن يكون هدفنا الأول هو توسيع ترسانة أسلحتنا ضد الأوبئة الجماعية المحتملة. وعندما أضاف البعض منا “المرض س” إلى قائمة أولويات منظمة الصحة العالمية قبل عامين، فقد أردنا أن نوضح أنه لا يكفي تطوير اللقاحات والعقاقير للعوامل المعروفة المسببة للأمراضص عندما يحتمل أن يكون العامل الكبير التالي مختلفاً -فيروساً قريباً من السارس، على سبيل المثال، وإنما ليس قريباً بما فيه الكفاية بحيث يمكن للقاح نفسه أن يعمل ضد كليهما.
    بينما يضرب فيروس كورونا اليوم، وبينما تنتظر ظهور مجموعة من مسببات الأمراض الأخرى في المستقبل، فإننا نواصل الوقوف في مواجهة الطبيعة. ويقدر العلماء أن هناك 1.67 مليون فيروس غير معروف من النوع الذي ظهر في البشر في السابق. ويجب أن يكون اكتشافها وتصنيفها أولوية -في تطبيق بسيط لقاعدة “اعرف عدوك”. في أعقاب مرض السارس، اكتشفت الأبحاث في فيروسات كورونا التي نشأت في الخفافيش أكثر من 50 فيروساً ذات صلة، بعضها لديه القدرة على إصابة البشر؛ ويمكن الآن استخدام هذه المعلومات لاختبار اللقاحات والعقاقير ذات التأثير الواسع. ويشكل توسيع نطاق هذا الجهد لتغطية جميع العائلات الفيروسية، كما يقترح مشروع الفيروسات العالمي، خطوة أولى منطقية نحو الوقاية.
    وهناك حاجة أيضاً إلى إحداث تحول جذري في الطريقة التي يتم بها تصميم الاختبارات واللقاحات والعقاقير بحيث يتم استهداف مجموعات كاملة من مسببات الأمراض بدلاً من استهداف العوامل الفردية المعروفة مسبقاً. ويعمل المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة على إنتاج لقاح عالمي للانفلونزا، والذي يمكن أن يغطي جميع سلالات الانفلونزا المعروفة؛ وستكون هناك حاجة أيضاً إلى إنتاج لقاح عالمي لفيروسات كورونا وإيبولا وغيرهما.
    باستثمار أصغر، يمكننا أيضاً محاولة استباق الأوبئة من خلال العمل مع المجتمعات في المناطق الساخنة المهيأة لنشوء الأمراض. ويجب أن تتركز جهود مراقبة الأمراض على المزارعين والمجتمعات الريفية وأي شخص لديه اتصال واسع النطاق بالحياة البرية، للبحث عن أي أمراض غير عادية، واختبار مسببات الأمراض الجديدة، والعمل مع الناس لتطوير بدائل للأنشطة عالية الخطورة مثل تجارة عناصر الحياة البرية.
    تشبه الأوبئة الهجمات الإرهابية: إننا نعرف تقريباً مكان نشأتها وما هو المسؤول عنها، لكننا لا نعرف بالضبط متى وأين سيقع الهجوم التالي. ويجب التعامل معها بالطريقة نفسها -من خلال تحديد جميع المصادر الممكنة، وتفكيك تلك المصادر قبل أن يضرب الوباء التالي.

*خبير بيئي في الأمراض، ورئيس تحالف “إيكو هيلث” في نيويورك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Welcome to the Age of Pandemics

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock