ترجمات

“مرحلة ثانية” من “كوفيد- 19″، وليس “موجة ثانية”

جيريمي كليف – (نيوستيتسمان) 28/6/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يتبع انتشار فيروس كورونا عدة أنماط مختلفة في البلدان المختلفة.

  • * *
    يمكن تلخيص أكبر وأهم قصة عالمية في الأيام الأخيرة في كلمتين: الموجة الثانية. لكن كلتا هاتين الكلمتين تعطيان فكرة مضللة عن كيفية تطور جائحة “كوفيد- 19” العالمية فعلاً.
    ولنبدأ بـ”الثانية”، التي تصف فقط معدل الإصابة في عدد قليل من البلدان. ومن أبرز هذه البلدان الولايات المتحدة، حيث بلغت موجة أولى من الحالات الجديدة اليومية ذروتها عند حوالي 36.000 إصابة في أواخر نيسان (أبريل)، قبل أن تنخفض إلى أدنى مستوى لها عند 16.000 في بداية حزيران (يونيو). ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الإصابات في موجة ثانية إلى قمة جديدة لتصل إلى 44.726 إصابة في 26 حزيران (يونيو).
    وحتى هناك، تقوم الأرقام الوطنية بتسطيح 50 منحنى مختلفة تمامًا في الولايات الأميركية الفردية. في نيويورك وميشيغان، على سبيل المثال، بلغت الأرقام ذروتها في نيسان (أبريل)، فيما كان جزئياً على الأقل بفضل القيادة الحاسمة للحاكمين أندرو كومو وجريتشين ويتمر، وأصبحت الآن عند -أو أنها تقترب من- أدنى مستوياتها القياسية. وفي أماكن أخرى، خاصة في الولايات الجنوبية مثل فلوريدا وتكساس حيث كانت الأرقام منخفضة بشكل ثابت خلال فصل الربيع، أصبح “كوفيد- 19” في الآن في صعود.
    يشكل مسار أميركا مع الوباء واحداً فقط من أربعة أنماط دولية عريضة. ويصف المسار الثاني تلك البلدان، بما فيها المملكة المتحدة وروسيا والسويد والبرتغال؛ حيث بلغ معدل الإصابة ذروته ولكنه ينخفض الآن ببطء أو لا يكاد ينخفض على الإطلاق. والثالث يغطي تلك البلدان التي بلغت فيها الإصابات ذروتها ثم هبطت لوقت طويل، ولكن حيث تدفع تفشيات مركّزة للمرض في مناطق معينة -أو تهدد بدفع- الأرقام إلى الارتفاع مجدداً. وقد أدى تفشٍ جديد للوباء في بكين قبل نحو أسبوعين إلى دفع منحنى الصين قليلاً إلى الأعلى، ولكن يبدو أنه تم احتواؤه. وفي ألمانيا، أدت عدة ارتفاعات في الحالات، محلية إلى حد كبير وبشكل خاص في مصنع لتعبئة اللحوم، إلى زيادة معدل R (معامل الانتشار) الوطني. وثمة قصة مماثلة في كوريا الجنوبية، والتي تم ربطها جزئيًا بأحداث تتسبب بنشر العدوى في النوادي الليلية في سيول. ويبقى أن نرى ما إذا كان يمكن احتواء هذه الحوادث -لا سيما في البلدان التي يُنسب إليها الفضل في تمكنها من إخماد “الموجة الأولى” من الأزمة أفضل ما يكون.
    النمط الرابع هو ذلك الذي في البلدان حيث تستمر الموجة الأولى في الارتفاع مع انقطاعات قليلة أو من دون انقطاع على الإطلاق. وهذا شائع بشكل خاص في البلدان الأكثر فقراً في العالم. فقد ذهبت الهند إلى الإغلاق في 22 آذار (مارس)، وخرجت منه الآن إلى حد كبير، لكن معدل الحالات الجديدة ما يزال يرتفع بقوة؛ ضارباً رقماً قياسياً جديداً في كل يوم خلال الأسبوع الأخير. وهذا النمط منتشر بشكل خاص في أميركا اللاتينية التي تسجل الآن حوالي نصف الوفيات اليومية من “كوفيد- 19” على مستوى العالم. وترتفع الأرقام في تشيلي والمكسيك وبيرو، لكنها تزداد بشكل مثير للغاية في البرازيل -حيث لم تتراجع الموجة الأولى على الإطلاق، وإنما استقرت فقط في أوائل حزيران (يونيو) قبل أن تعود إلى الارتفاع مرة أخرى.
    سوف يكون الحديث عن موجة “ثانية” في مثل هذه البلدان مضللاً في أحسن الأحوال، ويقلل في أسوئها من شأن ارتفاع معدلات الإصابة بشكل وحشي لا هوادة فيه. وتجدر ملاحظة أن معدل الإصابة العالمي يتوافق بشكل لا لبس فيه مع هذا النمط الرابع: لقد ارتفع بسرعة، واستقر بشكل ما حول 80.000 حالة جديدة يوميًا في أواخر نيسان (أبريل) وأوائل أيار (مايو)، قبل أن يرتفع مرة أخرى خلال أيار (مايو) وحزيران (يونيو) ليصل إلى 179.834 حالة جديدة يومية في 27 حزيران (يونيو).
    وهو ما يشير إلى مشكلة الكلمة الثانية: “موجة”. إنها كلمة تنطوي على دلالة توحي بنوع من الدورة المتكررة: ارتفاع في الإصابات، وتشديد تدريجي لقيود الإغلاق عندما يزداد قلق الحكومات والمواطنين، وفترة من الضغط المركّز والإجهاد على النظم الصحية، ثم انخفاض في الأعداد وإعادة فتح تدريجية حتى تبدأ العدوى في الانتشار مرة أخرى. ويشير الحديث عن موجة ثانية إلى أنها ستكون هناك تكرارات متعددة لنفس الدورة حتى يتم العثور على علاج و/أو لقاح. لكن هذا التصور مضلل أيضاً. هناك عدد من العوامل التي ستملي طبيعة التفشيات الإضافية أو المستمرة، والتي لا توحي بحركة دورية يمكن التنبؤ بها، وإنما بحركة خطية لا يمكن التنبؤ بها.
    إن سياسة الوباء، من إحدى النواحي، ليست ذات نمط تكراري. فقد حصل بعض القادة الحاليين، مثل أنجيلا ميركل وجوسيبي كونتي، على دفعة حين احتشد الناخبون حول السلطة، خاصة حيث يُنظر إلى هؤلاء القادة على أنهم عالجوا الأزمة بشكل جيد. وفي المقابل، شهد قادة آخرون تراجعاً في دعمهم: انخفض دعم دونالد ترامب على سبيل المثال في استطلاعات الرأي في مقابل جو بايدن، في حين انخفضت معدلات دعم بولسونارو أيضًا. وفي بيلاروسيا، كما كتب فيليكس لايت، يؤدي “رد ديكتاتور أوروبا الأخير” ألكسندر لوكاشينكو، الكارتوني على تفشي المرض (الذي اقترح قيادة الجرارات الزراعية، وشرب الفودكا والساونا كعلاجات) إلى تأجيج المعارضة والاحتجاجات قبل الانتخابات الرئاسية في آب (أغسطس). وفي جميع أنحاء العالم، تبقى احتمالية اختبار “صيف حار” من الاحتجاجات -وحتى العنف- في الأجواء المحمومة لمجتمعات ما بعد الإغلاق والمصابة بندوب الوباء، عالية. وقد تسقط حكومات أيضاً.
    وهكذا، لا تتحرك السياسة في موجات. وتؤثر السياسة، كما شاهدنا، بشكل هائل على مسارات الوباء نفسه.
    ثمة عامل آخر غير تكراري أيضاً هو قدرة البلدان على احتواء الفيروس. مع مرور الوقت، تصبح الحكومات أفضل باطراد في مراقبة انتشاره. وقد تم هنا في ألمانيا تنزيل تطبيق طوعي لتتبع الاتصال أكثر من 13 مليون مرة. وعلى الصعيد الدولي، يتحسن اختبار البنية التحتية أيضًا.
    لكن ثمة اتجاهاً سلبياً يوازن هذه الاتجاهات الخطية الإيجابية. مع استمرار الوباء، من المؤكد أن رغبة الجمهور في التعاون سوف تتغير أيضًا. ولا تمتلك الكثير من البلدان البنية التحتية الاستبدادية-التقنية التي تمكِّن، على سبيل المثال، سنغافورة والصين، من أن تراقب بدقة، وتفرض، السلوك الضروري. وهناك حاجة إلى شكل من أشكال القناعة العامة. كيف ستتطور طاعة النصيحة بارتداء الأقنعة وغسل اليدين والتباعد الاجتماعي؟ وإذا فشلت تدابير الاحتواء وكانت هناك حاجة إلى إغلاق جماعي ثانٍ، فهل سيوافق المواطنون الذين يستمتعون بحرياتهم المستعادة حديثًا على ذلك؟ وهل تستطيع المجتمعات أن تتكيف مع العبء الاقتصادي الناجم عن ركود اصطناعي آخر؟ تشير دراسة حديثة أجراها معهد بروكينغز إلى أن الجمع بين ارتفاع معدلات الإصابة و”إجهاد الإغلاق” واسع الانتشار هذا الخريف سيشهد ارتفاع حصيلة الموت بسبب الوباء في الولايات المتحدة، بحيث تصل إلى 450.000 بحلول كانون الثاني (يناير).
    أخيرًا، لن يكون اكتشاف أي علاج أو لقاح بمثابة لحظة تنهي دورة، كما يبدو أن الناس يتخيلون في كثير من الأحيان، وإنما سيكون ذلك عملية. ربما تكون هناك إصدارات متعددة من كليهما وقد تعمل بشكل جيد أو بشكل غير مكتمل. وستحتاج العلاجات أو اللقاحات إلى تحسين، وتحتاج إلى إنتاجها وتوزيعها، وستكون على الأرجح موضوعًا للنزاعات السياسية -وحتى الدبلوماسية- حول الملكية وأولوية الوصول إليها. ويمكن أن يشهد الفيروس تحولات مما يتطلب إنتاج لقاحات وعلاجات متتالية. وستكون هناك خطوات إلى الأمام وخطوات إلى الوراء، وبطريقة تثير الإحباط -بل وحتى اليأس.
    عندما نتحدث عن “موجة ثانية” فإننا لا نعني في الواقع منحنى جرسياً ثانياً، يرتفع وينخفض على لوحة الرسم البياني، وإنما نتحدث عن مرحلة نفسية جديدة في الوباء. وقد اعتدنا الآن على فكرته ويمكننا أن نرى -من أنماط العدوى المختلفة حول العالم- أنه لن يزول بسهولة وأنه يستمر في الانتشار. وهذا يضعنا في مرحلة جديدة -واحدة تحدد ملامحها الصدمات، والدروس، والأمتعة الوبائية والسياسية والاقتصادية الجماعية للوقت الذي سبق، عندما كان الفيروس ما يزال جديدًا وغير معروف. ولذلك، لا تسمّوها الموجة الثانية من وباء “كوفيد- 19”. سموها المرحلة الثانية من “كوفيد- 19”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why we should talk of a “second phase” of Covid-19, not a second wave

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock