تحليل إخباري

مرحلة جديدة… أفكار وأدوار جديدة ومبدعة

هيفاء نجار

لا تواجه المراحل الجديدة بالانكفاء وإسقاط الفكرة والتنزه في الماضي، فالانكفاء يعني إفساح المجال لهيمنة الماضي بأخطائه وعثراته وأدواته. ولأننا نتجه نحو المستقبل فعلينا المجابهة والحوار وإعادة النظر جذرياً في كثير من مفاهيمنا وأدوارنا وأفكارنا ورؤانا. إن المستقبل يولد من رحم هذا الحاضر، ولا يأتي من ماض يتحول إلى سيد الأيام، لذا علينا أن نتعلم كيفية إضفاء الديمومة على ما صح من وسائلنا في العمل، ومراجعة ما لم يصح، وفي تصويب أخطائنا دون أن نحذر من الدخول في جحيم النقد الذاتي. علينا جميعاً في هذه المرحلة أن نفهم ذواتنا، ونعلي من تقديرنا للآخرين، ونعمل بتواضع وتأمل ومحبة، نفرح بإنجازاتنا ونفخر بها لا سيما الجماعية منها، كما أن علينا أن نعيد النظر في حجم تقديرنا لأنفسنا بثقة وتواضع دونما خوف أو وجل.
وهنا علي البدء بمراجعة دوري كقائدة تربوية بانفتاح ومرونة وشفافية، وإعادة ترتيب أولوياتي التربوية، وطرح أسئلة تتعلق بدور المدرسة الجديد، ودوري التربوي بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة القادمة الجديدة، وعليه فإنني أتساءل حول مدخلات العملية التربوية بشموليتها، وإعادة تقييمها، والإضافة عليها بشكل تجديدي مبدع، ثم تقديمها بشكل جديد ومبتكر.
ولذلك أرى ضرورة العمل على إدخال مفهوم العافية الإنسانية بمفهومها الشمولي، والنظر إلى مدخلات العملية التربوية بشكل تكاملي، والتفكير بكافة عملياتها لتحقيق المخرجات المطلوبة، وأقصد هنا نوعية جديدة من الطلبة؛ مبدعين ورياديين، مفكرين وناقدين، باحثين ومجربين، قارئين ومتعلمين دائماً، بالإضافة إلى كونهم مواطنين مؤمنين يعملون بجهد دؤوب ليكون الأردن نموذجاً استثنائياً في الازدهار والأمن الاجتماعي والعدالة والإنتاجية والاعتماد على الذات، وقادرين على إيجاد فرص جديدة لتعزيز النمو الاقتصادي بدءاً من تطوير الصناعات الإلكترونية، وكل ما يتصل بتكنولوجيا المعلومات والصناعات الثقيلة، وتطوير كافة المنتجات الأردنية ابتداء بالمنتجات الزراعية والبيئية والسياحية، وتعميق أواصر الشراكة بين كافة القطاعات، وعليه لا بد للمدرسة أن تعيد النظر في مفهوم المواطنة وإعدادها، وهذا يتطلب إحداث تغيير جذري على آليات عمل المدارس، بحيث يصبح الطالب فاعلاً متفاعلاً، ودوره يتجاوز دور المتلقن ليكون مسؤولاً عن تعلمه وأنظمته وتعليماته، يكتبها بنفسه ثم يجري التوافق عليها. وهنا لا بد من أن يعمل الجميع في المدرسة، طلبة ومعلمين وإداريين وغيرهم، بتشاركية، فالتشاركية ترفع من المعنويات، وتمنح الطاقة الضرورية لرفع دافعية المتعلم نحو التعلم الذاتي، بالإضافة إلى رفع مستوى قدرته على تقييم تعلمه وإعادة النظر فيه.
إن المرحلة الحالية تتطلب تغيير الكثير من المفاهيم القديمة حول التقييم، وضرورة تطويره من كافة الجوانب، ولذا فمن الضروري لنا العمل على تطوير مناهجنا المدرسية لتركز على المفاهيم والمهارات الحياتية والقيمية، وإعادة تصميم كل ما يتصل بما يسمى بالتتابع والمدى في المناهج في المراحل الدراسية المختلفة، والتخفيف من المعلومات التي لا تعكس تعليماً جديداً مبنياً على بنائية متسلسلة، والابتعاد عن المعلومات التي تخاطب الذاكرة فقط، مما يتيح بناء منهاج مبني على المعرفة النقدية وطرح الأسئلة، وخلق الحوار المستمر، والبحث المعمّق، وعلى المشاريع العلمية والمجتمعية، وهذا يستدعي استعادة البعد الاجتماعي العاطفي والعقلاني والروحي للمنهاج، بحيث لا يكون الطالب مستقبلاً سلبياً للمعرفة بل مشاركاً فاعلاً ومتعلماً دائماً لتطوير ذاته والعمل مع الآخرين بدافعية عالية، وبقدرات على تصميم المستقبل من خلال فهم الحاضر، وتحمّل المسؤولية المستمرة عنه وعن مستقبله.
لا بد أن يستثمر المنهاج الجديد في التعلم الإلكتروني، وفي رفع مستوى تكاملية المناهج، فالمال والاقتصاد لا يعملان بعزلة عن الرياضيات، ومسائلها يجب أن لا تقدم بمعزل عن أحداث تاريخية ومسارات سياحية داخل الأردن وخارجه، كما أن على المنهاج ربط الريادة والإبداع والابتكار والفنون في كافة المباحث الدراسية، هذا بالإضافة إلى ضرورة تشجيع الطلبة سواء من خلال المنهاج نفسه أو من خلال كافة العمليات التربوية المتصلة به، أو بالمعلمين والتربويين كنماذج إنسانية، على العمل على محاربة الاستهلاك، ورفع أهمية العمل المهني والزراعي، وتطوير الصناعات الزراعية، ودراسة السياسات المتصلة بها، فالتاريخ والفلسفة والمنطق لا تنفصل عن قيم الصدق والمحبة والتعاون ودعم الآخر والكرم في العطاء والتعاون، لذا فالمطلوب منا جميعاً العمل على بناء الوعي الجديد بدءاً من الوعي بالذات وإعادة النظر في تقديرنا المبالغ به لذواتنا، واستعادة قيمة التواضع والاعتراف بالخطأ.
إن على المدرسة والقائد التربوي أن يبنوا شراكات كاملة مع المفكرين والمصممين والشعراء، والباحثين المتخصصين في الاقتصاد والمال ورواد الأعمال ليصبحوا شركاء للمدرسة وله أيضاً في تحضير الطلبة للمستقبل. على القائد التربوي أن يكون نموذجاً في المحبة والعدالة والإنصاف والتعلم المستمر والمرونة لاستقبال الجديد، وصناعة التجديد، كشريك مؤثر وملهم لزملائه من المعلمين الذين يحتاجون للكثير من الدعم المعنوي والعاطفي والثقة ليتمكنوا من التعلم من الجديد، ولدعم صمودهم في مواجهة المرحلة الجديدة التي تتطلب تغيراً وتحولا كبيراً، بالإضافة إلى أن هناك مسؤولية على المجتمع بكافة أفراده في دعم المعلمين والمعلمات لمواجهة هذه المرحلة بإيجابية وثقة.
كذلك فإن وزارة التربية والتعليم بحاجة إلى الدعم في سبيل إطلاقها لمنصات إلكترونية، واستجابتها السريعة لمواجهة أزمة COVID19 للعمل باستباقية لتطوير المنصات المطلوبة، وتمكينها من الوصول لكافة الطلبة في جميع مناطق المملكة. بالإضافة إلى دعم المجلس الأعلى للمناهج، من أجل المساعدة في تطوير مناهج تواكب تطورات العصر، وتعمل على إحداث التغيير المطلوب وتغيير الصورة النمطية للمرأة الأردنية، وللعامل والعاملة والعمل، فكلنا متساوون في الحقوق والواجبات.
بالرغم من محدودية الأردن في بعض المجالات إلا أنه يمتلك موارد بشرية تتسم بقدرات مميزة؛ بدءاً من قيادته، ودستوره الحداثي، وشجاعة مؤسساته، ومواطنيه القادرين على دراسة التشريعات والأنظمة والسياسات الواجب مراجعتها، من أجل دعم عملية التغيير، وإحداث التحولات المطلوبة دونما خوف أو تردد. إن شجاعة الأردن وإنجازاته مصدر عزة وفخر لكل الأردنيين، وحافز للجميع من أجل تفجير ينابيع الإبداع واجتراح المعجزات، فلنعمل معاً بمحبة وتعاون وثقة من أجل أردن الأمن والازدهار والإنتاج والمحبة الدائمة.

المديرة العامة لمدرسة الأهلية والمطران

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock