أفكار ومواقف

مرحلة مراجعات إستراتيجية للمؤسسات والسياسات

تردّ الأمم اليوم جميع مؤسساتها وسياساتها إلى السؤال المنشئ لها، بمعنى هل بقيت مجدية؟ وهل يجب الاستمرار أو عدم الاستمرار بها، ففي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى تنتقل الموارد والأعمال ومن ثم تنظيمها وإداراتها إلى مرحلة ومتطلبات مختلفة عن تلك التي أنشأت ما لدينا من موارد ومؤسسات وقيم وتشريعات، فالدولة الحديثة المركزية نشأت في ظل معطيات لم تعد موجودة، ومن ثم فإن الدولة التي تنظم وتدير شؤون الناس على نحو دقيق ومركزي لم تعد قادرة على الاستمرار، وقد بدأت المرحلة الأولى من تغيير دور الدولة حين أسند إلى القطاع الخاص مجموعة من المؤسسات والخدمات، ويتجه العالم اليوم إلى إسناد مجموعة أخرى من الأدوار إلى المجتمعات والمدن، ويصعد الأفراد أيضا شركاء مستقلين بأنفسهم وليس ضمن جماعات ونقابات ومؤسسات وسيطة بين الأفراد والسلطة، وتحلّ الثقافة كإطار منظم للمجال العام بدلا من التنظيم الاجتماعي والأخلاقي الذي تولته المؤسسات والمجتمعات على مدى القرون الماضية.
وفي هذا السياق يمكن أن نفكر جميعا بإعادة النظر في التنظيم المؤسسي للموارد والأعمال، وملاحظة ما يمكن الاستغناء عنه، وما يمكن دمجه بغيره، وما يمكن إسناده إلى المجتمعات والأفراد بدلا من السلطة السياسية، .. وأخيرا ما يجب إنشاؤه من مؤسسات وقيم جديدة لتنظيم الحياة والسلوك والموارد والأعمال.
وعلى سبيل المثال يجري إسناد الشأن الديني والثقافي والرياضي إلى البلديات والمجتمعات والمنظمات الاجتماعية، وتنسحب الدول من إدارة وتنظيم هذه المجالات، وتكتفي بالدعم والتنسيق وتطبيق القوانين الناظمة للمؤسسات والأعمال، وينتقل الحكم المحلي إلى المدن والبلديات ليدير الناس بأنفسهم مجموعة من الموارد والأولويات الأساسية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأمن، لكن في الوقت نفسه تتطور وزارة الشؤون الاجتماعية لتكون وزارة سيادية كبرى مثل وزارتي التعليم والصحة، لأجل إدارة وتنسيق وضمان خدمات وإنجازات أساسية، ذلك أن الموارد الكبرى والأعمال صارت تعتمد أساسا على تعليم جيد وكفؤ، ورعاية صحية واجتماعية متقدمة، وفي ذلك تركز السلطات السياسية جهودها ومواردها وأعمالها في الارتقاء بالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وتتجه الأعمال والأسواق إلى الانكفاء على احتياجات وتطلعات المجتمعات والمدن التي هي أيضا تنكفئ وتستقل بنفسها، فتتطور الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية الموجهة أساسا للمجتمعات والأسر وتحسين حياة الناس بالاتجاه الذي يمنح الناس المشاركة الاقتصادية والاجتماعية .. والمعنى والجدوى، وينشئ تماسكا اجتماعيا في إطار المدن والبلدات، وحول ذلك تنشئ المدن والمجتمعات الأسواق والمرافق الصحية والاجتماعية والثقافية على النحو الذي تدير به شؤونها وتشغل أكبر عدد من الناس إن لم يكن جميع الناس.
هكذا سيكون لكل مدينة، إن لم يكن جميع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية من غير حاجة إلا بنسبة قليلة للعاصمة والخارج، وتتحول الدول إلى منظومات فيدرالية من عدد كبير من المدن المستقلة أو شبه المستقلة، ويملك المواطنون جميع الموارد والمؤسسات الناظمة لحياتهم وأعمالهم، وتنسحب المؤسسات المركزية وتعيد تنظيم أهدافها واتجاهاتها وعلاقاتها بالمستهلكين والأسواق والسياسة والاجتماع باتجاهات وقواعد مستمدة من المشاركة والندية.
وبالطبع فإنها اتجاهات وقيم لا تأتي مستقلة أو استجابة لاقتراحات ومواعظ ثقافية أو توجيهية، لكن التطور التقني الجاري في العالم يتيح للناس القدرة على إنتاج وامتلاك الطاقة والتواصل مع العالم والقدرة على إنتاج الأعمال والموارد من غير حاجة كبرى لمؤسسات واستثمارات كبرى أو مركزية، نتحدث عن تنظيم اجتماعي اقتصادي تدعمه التكنولوجيا والموارد الجديدة، وليس من بشرى ومواعظ ليبرالية أو أيديولوجية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock