آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

“مرضى” يرتكبون جرائمهم دون إدراك وبدم بارد – فيديو

تحت وطأة الفصام العقلي والهوس الاكتئابي.. "مرضى" يرتكبون جرائمهم دون إدراك وبدم بارد

تحقيق: حنان الكسواني

عمان – رحلة الولوج إلى عوالم المرضى النفسيين في الحالات المتقدمة في الأردن قد تنتهي إلى “مهاجع” المركز الوطني للصحة النفسية المعروف شعبيا بـ “مستشفى الفحيص”، غير أن عشرات المرضى يبتعدون عن أجنحته بقرار أسري، بعضهم خوفا من وصمة اجتماعية قد تلاحقهم وآخرون خشية استخدام علاج الصعقات الكهربائية في المستشفيات والمراكز النفسية.
فالاعتقاد بامتلاك إنسان ما قدرات خارقة غالبا ما تكون مرتبطة بنظام عقائدي “غير منطقي”، وداء التشبه بالعظمة وتقمص شخصيات ملوك وأمراء ورؤساء دول (بيل كلنتون مثلا)، وعظماء تاريخيين (اودلف هتلر، ونيلسون مانديلا، مهاتما غاندي) أو تقمص أكثر من شخصية دون وعي أو إدراك لنتائج ذلك، كل هذه الحالات وغيرها يتم التعامل معها “بسرية تامة” مع مرضى يتلقون العلاج من أمراض الفصام العقلي (تعدد الشخصيات) والوجداني ثنائي القطب، والهوس الاكتئابي.
وهناك مرضى تسيطر أوهام على عقولهم من قبيل أن جهات أمنية خارجية تقصدت زراعة شرائح مبرمجة في دماغهم لتتعقب كل تحركاتهم، بينما يتوهم آخرون أن البرامج التلفزيونية ترسل لهم رسائل سرية خاصة، بيد أن أخطر هذه الامراض هو هوس “العفة والشرف” الذي يؤدي الى جريمة قتل بدم بارد عندما يتحول سلوك الزوجة الى مصدر هوس لدى زوجها ويشكك بكل تصرفاتها ويربطها بـ “الخيانة”.


وفيما تمكن حوالي 2800 مريض من الإقامة لتلقي العلاج المجاني في “الفحيص” ما يزال عشرات المرضى هائمين في شوارع “المملكة” بلا اهتمام أسري ورسمي لحين إصدار قانون “الصحة النفسية” لتنظيم تشريعات هذه الفئة “المنسية”.
علاج ما يقارب ربع المجتمع الأردني ممن يعانون من أمراض نفسية مختلفة يغتاله “عدم اقتناع الأهل والمريض بأهمية وفاعلية العلاج، وعدم الانتظام في الجلسات السلوكية والعلاجية، وضعف الشبكات الإجتماعية المساندة لهم “، بحسب مدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور نائل العدوان الذي أوضح أن ” 4 % فقط، أي حوالي 100 الف أردني بحاجة إلى علاج داخل غرف المستشفيات او المراكز العلاجية النفسية”.
تصنيع قنبلة يدوية خطيرة
تمتد خطورة ضعف شبكة الدعم الاجتماعي والعلاجي لمرضى الفصام الذهني والهوس الاكتئابي الى تهديد “منظومة الأمن الاجتماعي”، حيث قام المريض جهاد بـ “تصنيع عبوتين حارقتين (مولوتوف) تستهدف الجيش الاسرائيلي على منطقة الحدود الأردنية مع الضفة الغربية عبر نهر الأردن”. حسب لائحة قرار الاتهام. (من ملفات القضاء).

إحدى المريضات نفسيا خلال مراجعتها المركز الوطني – (تصوير: ساهر قدارة)

لم يعلم المريض جهاد- اسم مستعار- أنه “ارتكب جناية حيازة مادة حارقة خطيرة استعملها في تنفيذ أعمال ارهابية او لغايات غير مشروعة” حسب القرار الذي اشار الى جناية ثالثة هي “محاولة التسلل من والى أراضي المملكة وكان يحمل مواد متفجرة أو سامة”.
تمكن افراد الجيش الأردني المتواجدون على الحدود من إحباط عملية التسلل بعد ان اشتبهوا بوجود سيارة بداخلها طفلان متوقفة، فتابعوا المتهم الذي كان يسير بين الأشجار باتجاه الحد الأردني وهي منطقة محظور الدخول اليها.
تم تحويل المتهم بعد ضبط (المولوتوف والولاعة) إلى محكمة أمن الدولة التي اصدرت بحقه عدة عقوبات بناء على قانون أصول المحاكمات الجزائية خفضت من 23 سنة الى 13 كونه رب أسره لتصبح الاشغال الشاقة الموقتة.
العام الماضي، أخذت محكمة أمن الدولة بالتقرير الطبي الصادر عن لجنة مكونة من ثلاثة أطباء مختصين بالأمراض النفسية والعقلية لدى المركز الوطني للطب النفسي، حيث توصلت إلى أن الثلاثيني جهاد “كان مريضا منذ عام 2015، ويراجع أطباء نفسيين في القطاع الخاص، وملفه الطبي يفيد بأنه يعاني من اضطراب وجداني ثنائي القطب ومن المحتمل أن يؤذي غيره كونه غير مدرك لتصرفاته”.
مريضة تقتل أولادها وآخر يحرق منزله
ومن الجرائم التي هزت الرأي العام الاردني قبل 4 أعوام في منطقة طبربور، عندما أقدمت أم عمار الأربعينية على قتل اطفالها الثلاثة خنقا حتى الموت في حين لاذت ابنتان بالفرار.
خلال تلك الفترة وما قبلها بسنوات كانت المتهمة أم عمار تعاني “من مرض الفصام العقلي المزمن وهو مرض ذهاني عقلي مزمن من اعراضه الاوهام والهلوسة المرضية وفي حالة الانتكاسة المرضية يكون المريض غير مدرك لأقواله وأفعاله”.
وفي تفاصيل القرار المصادق عليه العام 2016 قالت أم عمار في إفادتها إنها “كانت تسمع صوت رجل مخيف يطلب دائما منها أن تموت هي وأولادها وكانت تسمع اصواتا تقول لها (اقتلي نفسك واولادك)، وتعاني من هلوسات بصرية منها أنها تشاهد أفعى سوداء كبيرة في الحمام قامت بقتلها ورمتها في الحاوية وكل ذلك لا وجود له في الواقع والحقيقة”.
ورغم أن أم عمار كانت متزوجة لكنها لم تتعالج قبل ارتكابها الجريمة، لذلك قررت “الجنايات الكبرى عدم مسؤوليتها بسبب مرض الفصام العقلي الذي تعاني منه”، وبالاستناد الى المادة (92/2) من قانون العقوبات تم ايداعها في المركز الوطني للصحة النفسية الى ان يثبت بتقرير لجنة طبية شفاؤها اجتماعيا وأنها لم تعد تشكل خطرا على السلامة العامة.
اما الثلاثيني رباح – اسم مستعار- فقد أضرم النار في غرفة تستعمل مستودعا لتخزين ملابس في منزله بمنطقة الرصيفة، حيث “تفاجأت والدته ان ابنها المتهم قام بإشعال النار بالبرداية في الغرفة” حسب افادتها في المحكمة التي طلبت بدورها من “المركز الوطني التأكد من إصابته بمرض عقلي اثناء ارتكاب الحريق أم انه يدعي المرض هربا من العقاب”.
عقب توجيه تهمة “إلحاق الضرر بمال الغير فقا لأحكام المادة (445) من قانون العقوبات الأردني بحق رباح” الا أن التقرير الطبي الصادر من المركز الوطني أثبت أن “ارتكاب فعل جرم إضرام الحريق في المنزل كان تحت تأثير مرض الفصام العقلي المزمن ولا يدرك المتهم أفعاله” لتقرر المحكمة واستنادا لذلك “عدم مسؤوليته ووضعه تحت إشراف مراقب السلوك من سنة الى خمس سنوات”.

وكان الدكتور العدوان أوضح في مقابلة خاصة مع (الغد) ان “25 % من المجتمعات في العالم يمرون في حياتهم بأمراض نفسية” لكنه استدرك قائلا “ليس كل مريض نفسي يجب إدخاله الى مراكز او مستشفيات علاجية باستثناء مرضى الفصام العقلي (تعدد الشخصيات) أو الفصام الوجداني، الهوس الاكتئابي، وأغلب هذه الحالات قابلة للشفاء بنسبة عالية في حال التزام المريض بالعلاج وتلقى الدعم الايجابي من الأهل والمجتمع”.
يزور 200 ألف مراجع سنويا 52 عيادة حكومية للاستشارات النفسية المجانية في مختلف محافظات المملكة بمعدل 40- 50 زيارة يوميا، لتلقي خدمة الاستشارات السلوكية والنفسية منها أمراض القلق بأنواعه المختلفة والاكتئاب والوسواس القهري والوهم المرضي، بالإضافة الى أمراض نفسية جسدية (السيكوسوماتية).
تخوفات من “الصعقات الكهربائية”
ومن قصص االنجاح في العلاج التي قابلتها “الغد “في العيادات الاستشارية في المركز الوطني شقيق مريضة الذي أكد “تحسن حالة شقيقته المصابة بالفصام الذهني” ويعود ذلك بحسب ما قال “للخدمات العلاجية الجيدة والمتابعة الأسرية التي تدفعها للانتظام بتناول أدويتها”، ويقول، إن “شقيقته الأربعينية من سكان الرصيفة دخلت الى “الفحيص” بعد أن شخص الأطباء النفسانيون حالتها الطبية بـ “الصعبة” لا سيما انها كانت تتكلم مع نفسها كثيرا وتتوهم شخصيات عديدة”. مؤكدا أنها تلقت خدمات علاجية وسلوكية متميزة من قبل الأطباء والممرضات”.
وبصرف النظر عن أسباب مرضها، الا أن الاهل قد يعتقدون أن “عدم زواجها كشقيقاتها أحد أسباب مرضها” فيما أكد اختصاصي الامراض النفسية في المركز الدكتور سامي عطية لـ “الغد” أن “مرضها حال دون زواجها وساهم في توقف دراستها الاكاديمية”.
وأوضح عطية لـ “الغد” أن علاج المرض النفسي (العقلي وإدمان المخدرات والاضطرابات السلوكية) “يعتمد على شقين: أحدهما سلوكي والثاني دوائي، أما السلوكي فيتم علاجه من خلال عقد جلسات لتبديد الفكر السلبي لدى المريض بأفكار أكثر ايجابية.
ويرى أن كل هذه المجموعات المرضية، تعتمد كثيرا على الدعم الأسري وتوعيتهم، لافتا إلى ان “وصمة المرض تلتصق بالأنثى نفسيا أكثر من الذكر وقد يحول هذا دون مبيتها في المركز، حتى أنها هذه الوصمة تؤثر على سمعة شقيقاتها”.
ويؤكد الدكتور عطية أن “إصابة النساء بالمرض النفسي في الاردن، كما هو ملاحظ، اكثر من الرجال ويعود ذلك الى الضغوضات النفسية التي تمارس عليها كالالتزامات الوظيفية والاجتماعية”.
فيما يشير الدكتور حسن السخني الى “عدم الاستهانة بمشاعر أي إنسان فقد عزيزا عليه كون أحد الأمراض النفسية تؤدي الى الاكتئاب واذا تطورت أعراضه فهو بحاجة الى علاج”، لافتا الى أهمية “التعايش مع المرض والتأقلم معه”.
وحسب احصائية المركز الوطني لعام 2018، يقدر عدد المرضى الذين دخلوا وتلقوا العلاج 2720 مريضا منهم 860 انثى و1860 من الذكور توفي منهم 6 فقط، وكانت نسبة الإشغال 83 %.
“أنا أم مستحيل أخلي بنتي تبعد عني وتنام في المركز، بعالجها وهي بحضني وبخاف من علاجها بالصعقات الكهربائية كمان، ما بقدر أتحمل” بهذه الكلمات عبرت والدة سحر في حديثها لـ “الغد” عن أسباب رفضها اقامة ابنتها في المركز الوطني لعلاجها من مرض الفصام العقلي اكتشفته أسرتها قبل عدة سنوات.
كانت العشرينية سحر تتوهم أن “اشخاصا يسحبونها الى المقابر وهي لا تريد أن تموت” ما دفع بأسرتها الى أن تطرق باب الأطباء النفسيين في القطاع الخاص وحتى أبواب “الدجالين”.
وأخيرا “توجهت الشابة سحر الى المركز الوطني بالفحيص لتحصل على علاج مجاني يساعدها في التحكم بالاضطرابات السلوكية بعد أن ارهقت أسعار أدويتها وجلساتها العلاجية ميزانية أسرتها”، بحسب قول والدتها.
تتضايق والدة سحر كثيرا عندما كانت تسمع تعنيفا لفظيا لابنتها من بعض اقاربها وجيرانها ومناداتها
بـ “المجنونة”، وأيضا حين يمنعن بناتهن من الاشتراك بأي نشاط اجتماعي في المنزل وخارجه. حسبما أضافت.
بدوره، بدد الدكتور العدوان مخاوف أسر المرضى حول استعمال المركز لعلاج الصعقات الكهربائية، موضحا أن “هذه الطريقة متبعة عالميا على حالات مرضية معينة، وتأثيراتها الجانبية على المرضى أقل من الدوائية”.
واشار الى أن “الصورة الذهنية الخاطئة حول علاج المرضى بالكهرباء جاءت من الأفلام والمسلسلات الدرامية العربية “وترسخت في أذهان الأسر والمرضى فابتعدوا عن العلاج”.
مسؤولية الدولة إقرار تشريع لحماية المرضى
“إن حماية المرضى النفسيين وإعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا واجتماعيا هي مسؤولية وطنية تتطلب مبادرة جدية من الحكومة لإقرار تشريع خاص قائم على الدليل العلمي المسند وبمرجعية استراتجية وطنية تضمن توفير جودة عالية لخدمات الصحة النفسية، ورفع كفاءة الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين”، بحسب رأي الخبير الدولي في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة الدكتور هاني جهشان.
كما ركزت المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونصت على “يحق لكل إنسان التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والنفسية يمكن بلوغه”.
تتلفت ام شادي بخجل شديد، وهي تلملم بقايا محلات الخضار والفواكه في منطقة سفح النزهة، خوفا من وصمة مجتمعية قد تلحق بها وبأسرتها، لكن دافعها الحفاظ على تماسك أسرتها والنأي بها عن التسول والضياع.
الحال الذي وصلت إليه ام شادي– اسم مستعار- جاء في أعقاب تحول زوجها إلى إنسان “غير مؤهل للعمل بسبب مرض نفسي مزمن يدفعه بين فترة وأخرى لضربها وأولادها”. تؤكد لـ “لغد”.
لم تتمكن حتى الآن من البوح عن معاناتها لأسرتها في الضفة الغربية وتترك زوجها وحيدا بعد أن ادخل المركز الوطني للصحة النفسية لتلقي العلاج، ولتعزيز الشبكة الاجتماعية والعلاجية من حوله لحين شفائه التام”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock