سلامة الدرعاوي

طالما كان المسؤول الحكومي يتمتع بحصانة مخفية عن أي مساءلة قانونية رغم أن القوانين لا تفرق بين مواطن ومسؤول في مكافحة الفساد.
لكن ما كان يحدث على أرض الواقع أن المساءلة القانونية كانت تطال من هم غير المسؤولين رغم أن المنطق كان يقتضي إشراكهم في التحقق، خاصة في قضايا الشركات التي أحيلت خلال السنوات العشر الماضية للجهات الرسمية مثل هيئة مكافحة الفساد. هذا النمط من التعاطي مع عمل المسؤول بدا مشهده يتغير للرأي العام شيئا فشيئا مع إحالة هيئة مكافحة الفساد ملف أحد المشاريع الإنشائية الى النيابة العامة نتيجة ظهور أوامر تغييرية كبرى أدت لتكليف الخزينة ملايين الدنانير، إضافة لفقدان أسس المنافسة في طرح العطاء، موجهين الاتهامات بشكل صريح لرئيس وزراء سابق ووزير أشغال سابق وعدد من المسؤولين المختلفين الذين اشتركوا بالأوامر التغييرية تحت طائلة الاستثمار الوظيفي واستغلاله وتكبيد الخزينة لخسائر بالملايين وإساءة استعمال السلطة وهدر المال العام.
على نحو آخر ومفاجئ، باتت ابنة مسؤول بارز على رأس عمله وآخرون مقربون منها من أفراد محليين وأجانب والذين يشتركون جميعا في أعمال وأنشطة اقتصادية مشتركة تحت رادار الاستعلام من قبل وحدة غسيل الأموال في البنك المركزي قبل أيام قليلة.
لكن التطور والأكثر أهمية في المشهد الراهن هو الاستعلام الأخير الذي قامت به وحدة غسيل الأموال في البنك المركزي لشخصية سياسية بارزة على رأس عمله مع عدد من أفراد أسرته وأقاربه من الدرجة الأولى والذي يعد اختراقا نوعيا غير تقليدي في عمل الوحدة الذي يتسم بالسرية والكتمان.
قرار الاستعلام يأتي في إطار الجهود المبذولة من قبل جهات رسمية عليا في تتبع أي عمليات مالية تثير تساؤلات وتتنقل في إطار وضع غير تقليدي للمتعارف عليه في تنقلات رؤوس الأموال التي دأبت عليها وحدة غسيل الأموال منذ تأسيسها والتي حققت خلالها إنجازات مهمة على هذا الصعيد.
طبعا الأمر متروك للقضاء في النهاية للحكم على هذه القضايا المطروحة اليوم في الشارع، ولا يمكن للإعلام أو أي جهة كانت أن تطلق الاتهامات على مثل هذه القضايا، فهذا ليس من اختصاص الإعلام، بقدر ما هو مطلوب من الإعلام رصد الحقيقة وتقديم المعلومة السليمة والصادقة بدون اغتيال للشخصية.
لكن بات واضحا أن جزءا كبيرا من القضايا التي تسببت في هدر المال العام يتطلب الإجابة الرسمية عن الأسباب التي دفعت لتكبيد الخزينة ملايين الدنانير، مما أحدث هدرا في المال العام بالملايين كانت الموازنة بأمس الحاجة الى كل فلس فيه لتلبية احتياجاتها التمويلية المتزايدة بدون اللجوء للاقتراض.
هذا التوجه له أهمية في استعادة ثقة الشارع بالخطاب الرسمي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية، لكنه مشروط باستكمال ملفات التحقيق وعدم وضعها على الرف مثل ملفات عديدة اختفت ولم نعد نسمع عنها، فالنجاح في ترميم جدار الثقة بين الموسسات الرسمية والمواطنين مناط بالوصول للحقيقة في هذه القضايا، سواء أكان الحكم الأخير بالإدانة أو بالبراءة، فالمطلوب الاستمرار حتى النهاية.
للأسف، في السنوات الماضية زج بالكثير من رجال الأعمال في السجون، وتم الحجز على الكثير منهم ومنعهم من السفر، وتم إيقاف العديد من أنشطة تلك الشركات، مما تسبب في خسائر للمساهمين، وجميع الأعمال التحقيقية كانت موجهة للعاملين أو المستثمرين في القطاع الخاص، بدون التطرق لأي مشتركين معهم من القطاع العام الذين كانت أصابعهم مشتركة في كل صغيرة وكبيرة من الأعمال التي باتت تحت التحقيق، لكن لم تمتد أيادي التحقيق الى هؤلاء المسؤولين بحجة أنهم تحت مظلة القطاع العام، بدون أن يكون له أي سند قانوني في الأصل، مما تسبب في تراجع الثقة في أي خطاب رسمي موجه لمكافحة الفساد واسترداد الأموال، فهل تستكمل المؤسسات المعنية التحقيق في هذه الملفات الكبرى للنهاية؟

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock