فكر وأديان

مساجد بلا أئمة

د. أحمد ياسين القرالة

تحدثنا في مقال سابق عن ضرورة خلق ثقافة جديدة للوقف تجعل منه عنصر تنمية وازدهار للمجتمع، وتعمل على استثمار الموارد الوقفية المحدودة وتوجيهها نحو الحاجات الضرورية للمجتمع بعد تصنيفها تراتبياً حسب أهميتها في حل مشكلات المجتمع ومعالجة معضلاته، والذي حملنا على ذلك هو الإسراف الهائل في بناء المساجد وزخرفتها في مجتمع تفتقر معظم أحيائه للمستوصفات والمتنزهات، وتكتظ مدارسه بالطلبة والتلاميذ، وتعاني جامعاته الفاقة وقلة الموارد.
ويقع على كاهل وزارة الأوقاف باعتبارها المسؤولة عن رعاية المساجد وإدارة الأوقاف خلق هذه الثقافة والعمل على نشرها وتطبيقها، وهي بلا شك مقصرة في هذا المجال أيما تقصير، مما أدى إلى عجز الوزارة عن توفير أئمة ومؤذنين لتلك المساجد، أو البحث عن المتطوعين والمتبرعين لتغطية النقص وتعويض العجز.
وإن استمرار هذا الوضع وبقاء الآلاف من المساجد بلا أئمة يتابعون شؤونها ويقومون بواجباتها له مآلات خطيرة على الوضع الديني خاصة والمجتمع الأردني عامة؛ لأن هذا الفراغ سيملؤه غالباً غير المؤهلين الذين لا يمكن متابعتهم ولا محاسبتهم وهم غير مسؤولين إدارياً عن أقوالهم وأفعالهم، مما يؤدي إلى الاضطراب في الفتوى وخلق الصراعات والنزاعات في المساجد، وإثارة الخلافات الدينية والمذهبية بين المصلين، كما أنه يساهم في نشر الفكر المتطرف ويعتبر بيئة خصبة لتجنيد الشباب في الأعمال الإرهابية.
على وزارة الأوقاف وبالتعاون مع الوزارات والجامعات أن تضع خطة سريعة وعملية لسد النقص وتزويد المساجد بالأئمة، خاصة وأن كليات الشريعة تدفع بالمئات من الخريجين كل عام، ولا ينبغي أن يكون هناك معيار لاختيار الإمام سوى تأهيله العلمي وقدرته على القيام بواجب الإمامة وإتقانه للوعظ والإرشاد واتصافه بالذكاء العاطفي والاتزان النفسي، ومن الضروري جداً الابتعاد عن الهاجس الأمني في التعامل مع الأئمة والخطباء؛ لأن إقصاء الخطباء والمؤهلين فضلا عن كونه يفسح المجال لغير المؤهلين، لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشكلة وزيادة منسوبها؛ لأن الإمام الموظف رسمياً تحمله وظيفته على أن يكون مسؤولاً عن أقوله وأفعاله وجميع تصرفاته، وهذا عنصر مهم من عناصر ترشيد الأئمة وتلطيف آرائهم خاصة إذا ما تم إخضاعهم للتدريب المستمر والتطوير الدائم، كما أن الإقصاء لا يقضي على التطرف ولكنه يكبته وهنا تكمن الخطورة، لأنه يجعل ذلك التطرف كامناً ممزوجا بالحقد والكراهية والغضب على الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock