أفكار ومواقف

مسارات ” للأردنيين فقط”.. ولم لا؟

حسين الرواشدة

في مطارات العالم تخصص مسارب أو مسارات خاصة لأهل البلد، وأخري لغيرهم من أصحاب الجنسيات الأجنبية، وحدهم الأردنيون القادمون من السفر ينتظمون في الطابور أمام لافتات كتب عليها (الأردنيون/ كافة الجنسيات)، المسألة لا تتعلق بالرغبة بالتميز ولا “البرستيج”، وإن كان ذلك من حق أصحاب البلد، وانما تتعلق بالحاجة لتكريم الذات الأردنية والاعتزاز بها، فالتكريم الشخصي جزء من الكرامة الوطنية، وانعكاس لها أيضا.

هذه الملاحظة، ربما تبدو متواضعة في سياق قضايا أكبر وأهم، تشغل بال الأردنيين، أو تثير أوجاعهم وتستفزهم، بسبب تقصير المسؤولين تجاههم، خذ مثلا التهميش الذين يتعرضون له، خاصة في الأطراف التي ما يزال الناس فيها محرومين من الماء والكهرباء، وغيرها من الخدمات الأساسية، لكنها (الملاحظة) تعكس، كما غيرها، جزءا مهما من صورة الأردني في عيون المسؤولين واهتمامهم، أو إن شئت الدقة، علاقة الإدارة العامة للدولة بالمواطنين، بما تقتضيه المواطنة من اعتبار واحترام.

في بلدنا تتعامل بعض مؤسسات الدولة مع المواطن الأردني، كما تتعامل مع غيره من السكان، يكفي أن تذهب لمركز صحي أو مستشفى أو دائرة خدمية حكومية، لتجد أنك تتزاحم على طلب أي خدمة مع عشرات من غير الأردنيين، سواء بسواء، لا يخطر ببالي أبدا أن أنتقص من حقوق هؤلاء بالحصول على أفضل الخدمات، على العكس تماما، ولكن أليس من حق المواطن الأردني أن يحظى بنصيبه من الخدمة وفق ترتيبات ومسارات تجنبه التزاحم والازدحام، وأحيانا الإهانة، وتشعره أنه عزيز ببلده ومحترم؟

الأردنيون الذين فقدوا ثقتهم بمؤسساتهم العامة، واستغرقوا باليأس والإحساس بالغربة، يحتاجون إلى “لفتات” إدارية وسياسية ذكية من الدولة، تعيد إليهم اعتبارهم كمواطنين، لهم دولة تضعهم على رأس أولوياتها واهتمامها، وتحافظ على كرامتهم، الأردنيون بفطرتهم طيبون وبسيطون تؤثر فيهم، وتعدل مزاجهم الكلمة الطيبة، والمعاملة اللطيفة، كما تسعدهم القرارات حين تتعامل معهم كمواطنين، وليس مجرد رعايا.

على ذكر المطارات والسفر، خطرت لي مسألتان، الأولى أن لدينا أكثر من مليون أردني مغترب أو مهاجر، لا نعرف عنهم إلا القليل، ولا تتوفر قاعدة معلومات وبيانات حولهم ، وأخشى أن أقول: إن أخبارهم انقطعت عنا، وعن سفاراتنا في الخارج، بعض هذه السفارات تحولت الى منتجعات للاستجمام، لا تقدم للأردنيين المغتربين في بلاد المهجر اي خدمات، وربما لا تتواصل معهم أيضا.

أما المسألة الأخرى فهي مجرد مقارنة بين ما يكتب على أول صفحة بالجوازات في البلدان الغربية وما يكتب بالجوازات في بلداننا العربية، في أميركا مثلا يكتب” حامل هذا الجواز تحت حماية الولايات المتحدة الأميركية فوق أي أرض وتحت أي سماء”، في بريطانيا يكتب ” ستدافع المملكة المتحدة عن حامل هذا الجواز حتى آخر جندي على أراضيها” وفي الجواز الكندي يكتب” نحرك أسطولنا من أجلك”.

أما ما يكتب على جوازات المواطنين في العديد من بلداننا العربية، فيتراوح غالبا بين” عند فقدان هذا الجواز تدفع غرامة مالية” أو ” الجواز ملك الدولة ويمكن سحبه أو الغاؤه” أو غير ذلك من التعليمات. المقارنة بالطبع مخجلة، لكنها تعكس قيمة “المواطنة” بالمعنى الإنساني، والوطني أيضا، كما تعكس وظيفة الدولة تجاه حاملي جنسيتها، سواء أكانوا داخلها أو مسافرين خارجها.

لا يوجد لدي تعليق، أشير فقط إلى أن الدولة، أي دولة، لا يمكن أن تبني أو تستعيد ثقة المواطنين بها، وأن تفرض هيبتها واحترام قوانينها، أو تحقق نهضتها، إلا إذا شعر المواطن فيها أنه انسان يتمتع بكافة حقوقه وكرامته وحريته، وأن له الأفضلية في المعاملة داخل بلده، والحماية حين يكون خارجها، وليس مجرد رقم أو نسمه في سجلات رسمية، لا تتذكره إلا عند دفع الضرائب.

المقال السابق للكاتب

عشرة أخطاء تربك الأردنيين

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock