أفكار ومواقف

مستجدات الحرب الروسية الأوكرانية

د. محمد حسين المومني

بعد أيام، سوف تكمل الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الأول. لقد كان قرار الحرب خطيرا غير عقلاني، غير كثيرا من تفاعلات العلاقات الدولية والأجندة الأمنية العالمية.

أخطأت روسيا كما أوكرانيا؛ روسيا لأنها ذهبت باتجاه قرار الحرب، متجاوزة كثيرا من الأدوات الأخرى التي كان يمكن استخدامها قبل الوصول لقرار الحرب، وهو الذي عادة ما تلجأ إليه الدول كآخر أداة لتنفيذ أجنداتها الخارجية والأمنية.

أوكرانيا أخطأت أيضا، فهي التي قامرت بالذهاب لعضوية الناتو متجاهلة الأبعاد الجيواستراتيجية كافة لقرارها، حتى لو كان القرار حقا خالصا لها كدولة ذات سيادة. كان على الأوكران فهم ديناميكية التفاعل الأمني مع جارتها الضخمة روسيا، وقراراتها كان لا بد أن تأخذ الجيرة بعين الحسبان. تراجعت أوكرانيا عن قرار الانضمام للناتو ولكن سبق السيف العدل.

وصلنا لمرحلة استعصاء دبلوماسي؛ حيث صعدت روسيا على الشجرة وتجد من الصعوبة النزول إذا ما كان ثمن النزول الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، لأن ذلك سيشكل ضربة قاسمة لبوتن وروسيا. وبالمقابل، فلا يمكن لأي كان، لا أوكرانيا ولا الغرب الداعم لها، أن يفوت أو يغض الطرف عن احتلال روسيا لأراض أوكرانية، فذلك سيشكل إذعانا وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

أميركا فاعل رئيس فيما يجري، بسبب قوتها وتحالفها الشامل مع أوروبا، واستراتيجيتها تستند الى؛ جعل أوروبا تقوم بالدور الأكبر في مواجهة روسيا لا أن تكون أميركا شرطي الدفاع عن أوروبا، وأميركا أيضا لا تنفك تقول للأوروبيين والأوكران أن اشتبكوا سياسيا لأن النزاع الدائر على الأغلب لن يحسم عسكريا، وهي تستمر بمد أوكرانيا بالسلاح والتدريب لإنهاك الروس عسكريا ضمن قواعد اشتباك مدروسة لا تستفز الدب الجريح الذي تعرض لإهانة كبيرة في أوكرانيا، وأخيرا، فقد وضعت أميركا والأوروبيون نظام عقوبات اقتصاديا صارما ضد روسيا، وهو ما يستمر بتكبيد الاقتصاد الروسي خسائر فادحة. هذه هي الاستراتيجية الأميركية المتكاملة مع الأوروربية.

ما يجري من استمرار للنزاع دون حسم تخسر روسيا بسببه يوميا جراء العقوبات الاقتصادية والاستنزاف العسكري. روسيا معنية أكثر من غيرها بأن تتوقف العملية العسكرية في أوكرانيا، ولا بد لها من إيجاد مخرج يحفظ ماء وجهها وينزلها عن الشجرة. هي المعنية بذلك ولا أحد معني بإلحاح أن يقدم سلم نزول لها.

الغرب على الأرجح سيستجيب إذا ما قصدت روسيا النزول والاشتباك سياسيا، وسيكون عندها للجميع مصلحة بتسوية سياسية، ولكن إذا ما استمرت روسيا بالقول إن الأراضي التي احتلتها ليست أمرا مطروحا للنقاش، فهذه نهاية للنقاش قبل أن يبدأ.

قد يشكل النظام القانوني الدولي أرضية للتوافق تحفظ للجميع ماء وجهه، عن طريق محكمة العدل الدولية، المختصة بالنظر بالنزاعات بين الدول، تشترط تقديم طلبات التقاضي امامها من قبل الدول، فإذا ما توفرت الرغبة والقابلية لإنهاء النزاع، يمكن عندها أن يكون قرار المحكمة الدولية خير مخرج للجميع، حتى لو ترافق مع تسويات سياسية غير معلنة مثل توقف أوكرانيا عن طلبها الانضمام للناتو.

المقال السابق للكاتب: 

كيف نفهم لقاء نتنياهو؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock