ترجمات

مستقبل التاريخ.. هل تنجو الديمقراطية الليبرالية من تآكل الطبقة الوسطى؟

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة
في العام 1992، نشر فرانسيس فوكوياما كتابه “نهاية التاريخ والرجل الأخير” الذي وسع فيه مقاله المنشور في العام 1989 تحت عنوان “نهاية التاريخ؟”، في مجلة “ذا فورين إنترست” المختصة بالشؤون الدولية. وفي الكتاب، يقول فوكوياما إن مجيء الديمقراطية الليبرالية الغربية قد يكون إشارة إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي للبشرية، والشكل النهائي للحكومة الإنسانية. ويقول: “ربما لا يكون ما نشهده نهاية الحرب الباردة فقط، أو مرور حقبة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، وإنما نهاية التاريخ كذلك: أي، نقطة النهاية لتطور البشرية الأيديولوجي وتعميم نموذج الديمقراطية الليبرالية الغربية كونياً باعتبارها الشكل النهائي للحكومة الإنسانية”.
وكان موقف فوكوياما ذاك انقلاباً على أطروحة كارل ماركس، الذي تصور أن التاريخ سوف ينتهي بالشيوعية وهي تحل محل الرأسمالية. لكن مقولات فوكوياما عن نهاية التاريخ أثارت انتقادات المفكرين المختلفين أيديولوجياً مع مفهوم الديمقراطية الليبرالية. وعلى سبيل المثال، قال الفيلسوف جاك دريدا في نقد فوكوياما:
“في وقت ينبغي فيه نعيها، يمتلك البعض الجرأة لإعادة ترسيم أنفسهم كأنجليكان جدد باسم المثل الأعلى للديمقراطية الليبرالية التي حققت نفسها أخيراً لتكون المثال الأعلى للتاريخ البشري: باعتبار أنها لا تنطوي على العنف وعدم المساواة والإقصاء، والمجاعات، وبالتالي القهر الاقتصادي الذي أثر على الكثير جداً من الكائنات البشرية في تاريخ الأرض والإنسانية. بدلاً من التغني بظهور مثال الديمقراطية الليبرالية والسوق الرأسمالي في نشوة نهاية التاريخ هذه، وبدلاً من الاحتفال بـ”نهاية الإيديولوجيات” ونهاية الخطابات التحررية العظيمة، دعونا لا نتجاهل أبداً هذه الحقيقة الواضحة بالعين المجردة، المكونة من عدد لا يحصى من مواضع المعاناة الشخصية الفريدة: ليس ثمة درجة من التقدم تسمح لأحد بأن يتجاهل حقيقة أنه لم يحدث في أي وقت مضى، بالأرقام المحضة، وأنه تم إخضاع هذا العدد الكبير جداً من الرجال والنساء والأطفال للمهانة والتجويع أو الإبادة على وجه الأرض”.
وفي حقيقة الأمر، شكلت أطروحة فوكوياما، إلى جانب مقولة صموئيل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”، الأساس النظري لسياسات اليمين المحافظ في إعادة تشكيل النظام العالمي مؤخراً. وقد جادل هنتنغتون بأن الصراع المؤقت بين الأيديولوجيات يجري استبداله بالنزاع القديم بين الحضارات. وقرر أن الحضارة المهيمنة هي التي ستقرر شكل الحكم البشري، وخص الإسلام بأنه ينطوي على “حدود دموية”، ولا يصلح شكلاً للحكومة العالمية. وكان ذلك عنوان التدخل العسكري الأميركي والغربي في العالم العربي والإسلامي لهدايته إلى عقيدة الديمقراطية الليبرالية “المثالية.” وهكذا، تأسس الصراع العالمي الجديد على فكرة أن المنافس الحقيقي الوحيد للديمقراطية في عالم الأفكار اليوم هو الإسلام الراديكالي، الذي عمّم الخطاب الغربي صورته النمطية باعتبارها الهوية الجامعة للعالم الإسلامي جميعاً.
لكن التحولات الأخيرة في المشهد العالمي، بدءاً من الانسحابات الأميركية من مناطق التدخل، وانتهاءً بأزمة الولايات المتحدة المالية ونشوء الحركات الشعبوية المنادية بإعادة توزيع الثروة المتركزة في أيدي القلة، وكذلك الربيع العربي والعالمي، كلها أمور جعلت فوكوياما يعيد إحياء التاريخ ويبحث في مستقبله مجدداً. وفي هذه القراءة الجديدة، يرى فوكوياما أن الأجور الراكدة والتفاوت المتنامي في مستويات المعيشة وانعدام المساواة في المجتمعات، سوف تهدد قريباً استقرار الديمقراطيات الليبرالية المؤقتة، وستقوم بإسقاط الأيديولوجية الديمقراطية كما تُفهم الآن عن عرشها. ويقول إن ما تمس الحاجة إليه هو وضع أيديولوجية شعبوية جديدة تعرض مساراً عقلانياً إلى مجتمعات طبقات وسطى معافاة، وديمقراطيات متماسكة. وفي ذلك اعتراف بشيء يشبه الحقيقة التي تحدث عنها دريدا، من أن الديمقراطية الليبرالية تنطوي على عيوبها البنيوية التي تتناقض مع فكرة العدالة والمثالية من الأساس، حتى أنها تقوض الطبقة الوسطى التي بنت عليها مسوغات وجودها نفسها.
نشرت هذه القراءة في مجلة “فورين أفيرز” التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في عدد كانون الثاني (يناير)/ شباط (فبراير) 2011، المجلد 91، ص: 53-61، تحت عنوان:: The Future of History: Can Liberal Democracies Survive the Decline of the Middle Class? . ويذكر أن يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما، هو كاتب ومفكر أميركي الجنسية من أصول يابانية. ولد في مدينة شيكاغو الأميركية في العام 1952 م. وهو يعد من أهم مفكري المحافظين الجدد، ويعتبر أحد الفلاسفة والمفكرين الأميركيين المعاصرين، فضلاً عن كونه أستاذاً للاقتصاد السياسي الدولي ومديرا لبرنامج التنمية الدولية بجامعة جونز هوبكنز.

فرانسيس فوكوياما – (فورين أفيرز)

هناك أمر غريب يحدث في العالم اليوم: إن الأزمة المالية الكونية التي بدأت في العام 2008 وأزمة اليورو الحالية هما من نتاج نموذج الرأسمالية المالية قليلة التنظيم، والتي ظهرت على مدى العقود الثلاثة الماضية. مع ذلك، وعلى الرغم من الغضب واسع الانتشار الناجم عن عمليات إنقاذ وول ستريت، لم تكن هناك ثورة قوية للشعبوية الأميركية اليسارية رداً على ذلك. ومن المفهوم أن حركة “احتلوا وول ستريت” سوف تكسب جاذبية، لكن أكثر الحركات الشعبوية الحديثة دينامية حتى الآن كانت حركة “حزب الشاي” اليمينية، التي يتمثل هدفها النهائي في إقامة الدولة ذات القوانين الرقابية التي تسعى إلى حماية الناس العاديين من المضاربين الماليين. وينطبق شيء مشابه على أوروبا أيضاً، حيث اليسار مصاب بفقر الدم، وحيث الأحزاب الشعبوية اليمينية هي التي تتحرك وتنشط.
ثمة أسباب عدة لهذا الافتقار إلى حراك اليسار، لكن الأهم من بينها هو الفشل في منطقة الأفكار. فخلال الجيل الماضي، ظلت الهيمنة الأيديولوجية على القضايا الاقتصادية محتجزة لدى يمين تحرّري. ولم يكن باستطاعة اليسار أن يصوغ قضية معقولة لأجندة غير العودة إلى شكل لا يمكن تكلف مؤونته من الديمقراطية الاشتراكية عتيقة الطراز. ويبقى هذا الغياب لرواية مناقضة معقولة ومقنعة أمراً غير صحي، لأن المنافسة جيدة للحوار الفكري بقدر ما هي كذلك للنشاط الاقتصادي. وثمة حاجة جدية للنقاش الفكري، بما أن الشكل الحالي من الرأسمالية المعولمة يقوم بحتّ القاعدة الاجتماعية للطبقة الوسطى، التي تستريح عليها الديمقراطية الليبرالية.
الموجة الديمقراطية
لا تقوم القوى والشروط الاجتماعية ببساطة بـ”تقرير” الأيديولوجيات، كما اعتقد كارل ماركس ذات مرة، لكن الأفكار لا تصبح قوية إلا إذا كانت تخاطب اهتمامات ومصالح عدد كبير من الناس العاديين. وتعتبر الليبرالية الديمقراطية بمثابة الأيديولوجية الافتراضية في الكثير من أجزاء العالم اليوم، فيما يعود في جزء منه إلى أنها تستجيب لبنى اقتصادية-اجتماعية معينة، والتي تقوم بتيسير هذه الأيديولوجية أيضاً. وربما تكون للتغيرات في هذه البنى تداعيات أيديولوجية، تماماً كما يمكن أن تكون للتغيرات الأيديولوجية تداعيات اجتماعية-اقتصادية أيضاً.
كانت كل الأفكار القوية تقريباً، والتي شكلت المجتمعات الإنسانية حتى السنوات الثلاثمائة الأخرة، دينية في طبيعتها، مع الاستثناء المهم للكنفوشيوسية في الصين. وكانت أول أيديولوجية علمانية تمتلك تأثيراً عالمياً دائماً هي الليبرالية، وهي عقيدة ترتبط أولاً بصعود طبقة وسطى تجارية، ثم أخرى صناعية في أجزاء معينة من أوروبا خلال القرن السابع عشر. (بقولي “طبقة وسطى” أعني الناس الذين ليسوا في القمة ولا في القاع من مجتمعاتهم فيما يتعلق بالدخل، والذين تلقوا تعليماً ثانوياً على الأقل، والذي لا يتمتعون بملكية حقيقية، بأصول عقارية مستقرة، أو بأعمال خاصة بهم).
وتعتقد الليبرالية، كما نص عليها المفكرون الكلاسيكيون مثل لوك، ومونيسكيو، ومل، بأن مشروعية سلطة الدولة تُشتق من قدرة الدولة على حماية الحقوق الفردية لمواطنيها، وبأن سلطة الدولة تحتاج إلى التحديد عن طريق الخضوع للقانون. وأحد الحقوق الأساسية التي يجب حمايتها هو الملكية الخاصة؛ وكانت “ثورة إنجلترا المجيدة” في الأعوام 1688-89 حاسمة لتطور الليبرالية الحديثة، لأنها أسست أولاً المبدأ المؤسسي والدستوري القائل بأن الدولة لا تستطيع تقاضي الضرائب من مواطنيها بشكل مشروع من دون موافقة.
في البداية، لم تكن الليبرالية تتضمن الديمقراطية بالضرورة. وكان اليمينيون الذين دعموا التسوية الدستورية للعام 1689 يتكونون غالباً من أغنى أصحاب الأملاك في إنجلترا؛ وقد مثل برلمان تلك الفترة أقل من 10 % من كافة السكان. وكان الكثيرون من الليبراليين الكلاسيكيين، بمن فيهم جون ستيوارت مل، متشككين جداً إزاء فضائل الديمقراطية: فقد اعتقدوا بأن المشاركة السياسية المسؤولة تتطلب التعليم وامتلاك حصة في المجتمع –بمعنى ملكية العقارات. وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كان حق الانتخاب محدداً بمتطلبات متعلقة بالأملاك والتعليم في كافة أنحاء أوروبا فعلياً. وكان انتخاب أندرو جاكسون كرئيس للولايات المتحدة في العام 1828 وإلغاؤه اللاحق لمتطلبات الملكية لممارسة التصويت، على الأقل بالنسبة للذكور البيض، مؤشراً على انتصار مبكر مهم لشكل أكثر تماسكاً من المبدأ الديمقراطي.
في أوروبا، عمل استثناء الغالبية العظمى من السكان من السلطة السياسية وصعود طبقة صناعية عاملة، على تمهيد الطريق للماركسية. وتم نشر “البيان الشيوعي” في العام 1848، وهي نفس السنة التي انتشرت فيها الثورات إلى كافة البلدان الأوروبية الرئيسية، ما عدا المملكة المتحدة. وهكذا بدأ عصر من التنافس على قيادة الحركة الديمقراطية، بين الشيوعيين الذين كانوا راغبين في التخلص من الديمقراطية الإجرائية (الديمقراطية التعددية) لصالح ما اعتقدوا بأنه يشكل الديمقراطية الموضوعية (إعادة التوزيع الاقتصادي)، وبين الديمقراطيين الليبراليين، الذين اعتقدوا بتوسيع المشاركة السياسية بينما يبقون على دور للقانون لحماية الحقوق الفردية، بما في ذلك حق المُلكية.
وعلى المحك كان ولاء الطبقة العاملة الصناعية الجديدة. وقد اعتقد الماركسيون الأوائل بأنهم سيكسبون بمجرد قوة الأعداد: فبينما جرى توسيع حق الاقتراع في نهاية القرن التاسع عشر، نمت الأحزاب على شاكلة حزب الديمقراطيين الاشتراكيين الألماني على قدم وساق، وهددت هيمنة المحافظين والليبراليين التقليديين على حد سواء، وتمت مقاومة الطبقة العاملة بشراسة، غالباً بوسائل غير ديمقراطية؛ وبدورهم، هجر الشيوعيون والكثيرون من الاشتراكيين الديمقراطية المتعارف عليها لصالح الاستيلاء المباشر على السلطة.
خلال كامل النصف الأول من القرن العشرين، كان هناك إجماع قوي على اليسار التقدمي حتى أن شكلاً ما من الاشتراكية –سيطرة الدولة على الذرى المتحكمة في الاقتصاد من أجل ضمان توزيع متساو للثروة – كان أمراً يتعذر تجنبه في كافة الدول المتقدمة. حتى أن اقتصادياً محافظاً مثل جوزيف تشامبيرتر كتب في كتابه سنة 1942 “الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية،” أن الاشتراكية سوف تخرج منتصرة لأن المجتمع الرأسمالي كان يقوض ذاته ثقافياً. وقد ساد الاعتقاد بأن الاشتراكية تمثل إرادة ومصالح الغالبية الساحقة من الناس في المجتمعات الحديثة.
ومع ذلك، وحتى بينما عرضت الصراعات الأيديولوجية للقرن العشرين نفسها على مستوى سياسي وعسكري، كانت تغيرات حاسمة تحدث على المستوى الاجتماعي، والتي قوضت السيناريو الماركسي. أولاً، استمرت مستويات معيشة الطبقة العاملة الصناعية في الارتفاع، إلى النقطة التي أصبح عندها العديد من العمال أو أبنائهم قادرين على الانضمام إلى الطبقة الوسطى. ثانياً، كف الحجم النسبي للطبقة العاملة عن النمو، بل إنه شرع فعلياً بالتقلص، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما شرعت الخدمات بالحلول محل التصنيع فيما عرف باسم الاقتصادات “الما-بعد-صناعية”. وأخيراً، ظهرت مجموعة جديدة من الفقراء أو المحرومين من الامتيازات تحت مستوى الطبقة العاملة الصناعية –خليط هجين من الأقليات العرقية والإثنية، والمهاجرين الجدد، والجماعات المُبعدة اجتماعياً، مثل النساء، والشواذ، والمعاقين. ونتيجة لهذه التغيرات، أصبحت الطبقة العاملة القديمة في معظم المجتمعات الصناعية، مجرد جماعة مصالح محلية أخرى، واحدة تستخدم القوة السياسية للنقابات في حماية المكاسب التي تم كسبها بمشقة في حقبة سابقة.
وبالإضافة إلى ذلك، تبين أن الطبقة الاقتصادية لم تكن يافطة عريضة يمكن تحتها تحشيد وتحريك المواطنين في الدول الصناعية المتقدمة للعمل السياسي. وقد تلقت “الأممية الثانية” (1) دعوة استيقاظ فظة في العام 1914، عندما تجاهلت الطبقات العاملة في أوروبا الدعوات لرفاه الطبقة، واصطفت خلف القادة المحافظين الذين يبشرون بالشعارات القومية، وهو نموذج ما يزال باقياً حتى يومنا هذا. وقد حاول الكثيرون من الماركسيين تفسير ذلك، وفقاً للمفكر إيرنيست غلنر، بما أسماه “نظرية العنوان الخطأ،” فقال:
“تماماً كما يعتقد غلاة الشيعة بأن الملاك جبريل ارتكب خطأ حين أبلغ الرسالة لمحمد عندما كان يجب أن تصل إلى علي، كذلك يحب الماركسيون أن يفكروا بشكل أساسي بأن روح التاريخ أو الوعي البشري ارتكب غلطة شنيعة. كان ينبغي أن تصل دعوة الاستيقاظ إلى الطبقات، لكنها سُلمت بنفس الخطأ البريدي المُريع إلى الدُّول”.
وذهب غلنر إلى القول بأن الدين يقوم بوظيفة مشابهة للقومية في الشرق الأوسط المعاصر: إنه يحشد الناس بفعالية لأن له محتوى روحياً وعاطفياً، والذي لا يمتلكه الوعي الطبقي. وتماماً كما كانت القومية الأوروبية مدفوعة بانتقال الأوروبيين من الريف إلى المدن في أواخر القرن التاسع عشر، فكذلك أيضاً تشكل الإسلاموية ردة فعل على التمدن والإزاحة اللذين يحدثان في مجتمعات الشرق الأوسط المعاصر. إن رسالة ماركس لن تصل أبداً إلى العنوان الموسوم بكلمة “الطبقة”.
اعتقد ماركس بأن الطبقة الوسطى، أو على الأقل الشريحة المالكة لرأس المال منها، والتي دعاها “البرجوازية”، سوف تبقى دائماً أقلية صغيرة ومتمتعة بالامتيازات في المجتمعات الحديثة. لكن ما حدث بدلاً من ذلك كان أن المطاف انتهى بالبرجوازيين والطبقة الوسطى بشكل أعم وهم يشكلون غالبية سكان الدول الأكثر تقدماً، خالقين المشاكل للاشتراكية. وقد اعتقد المفكرون، منذ أيام أرسطو، بأن الديمقراطية المستقرة ترتكز على طبقة وسطى واسعة، وبأن المجتمعات ذات الغنى المفرط والفقر المفرط تظل عرضة إما لهيمنة الأوليغاركية (الأقلية) أو للثورة الشعبوية. وعندما نجح كثير من العالم المتطور في خلق مجتمعات طبقة وسطى، تآكل القبول الذي تتمتع به الماركسية. وأصبحت الأماكن الوحيدة التي تظل فيها الاشتراكية اليسارية قوة نافذة هي المناطق المفتقرة إلى المساواة، مثل أجزاء من أميركا اللاتينية، ونيبال، والمناطق المعدمة في شرق الهند.
أفضت ما أسماها العالم السياسي صامويل هنتنغتون “الموجة الثالثة” من الدمقرطة، التي بدأت في شرق أوروبا في السبعينيات، إلى زيادة عدد الديمقراطيات الانتخابية حول العالم من حوالي 45 في العام 1970 إلى أكثر من 120 بحلول أواخر التسعينيات. وقاد النمو الاقتصادي ظهور طبقات وسطى جديدة في بلدان مثل البرازيل، والهند، وإندونيسيا، وجنوب إفريقيا وتركيا. وكما أشار الاقتصادي مويسيس نايم، فإن هذه الطبقات الوسطى تمتاز بأنها جيدة التعليم نسبياً، وتحتفظ بأملاك، وهي متصلة تقنياً مع العالم الخارجي. وهي تطالب حكوماتها بالحقوق وتتحشد بسهولة نتيجة لوصولها إلى التقنية. ولا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن المحرضين الرئيسيين على انتفاضات الربيع العربي كانوا تونسيين ومصريين متعلمين جيداً، والذين أصبحت توقعاتهم بالنسبة للوظائف والمشاركة السياسية في وضع حرج بسبب الدكتاتوريات التي عاشوا تحت حكمها.
لا يدعم أفراد الطبقة الوسطى الديمقراطية في المبدأ بالضرورة: إنهم، مثل كل أحد آخر، لاعبون مهتمون بمصلحتهم الذاتية، والذين يريدون حماية أملاكهم ومكانتهم. وفي بلاد مثل الصين وتايلند، يشعر الكثيرون من أفراد الطبقة الوسطى بالتهديد من مطالب الفقراء بإعادة توزيع الثروة والدخل، ولذلك اصطفوا إلى جانب دعم الحكومات الاستبدادية التي تحمي مصالحهم الطبقية. وليست صحيحة بالضرورة أيضاً القضية القائلة بأن الديمقراطيات تفي بالضرورة بتوقعات طبقاتها الوسطى الخاصة؛ وعندما لا تفعل، يمكن أن تصبح الطبقات الوسطى مشاكسة.
البديل الأقل سوءاً؟
ثمة اليوم إجماع عالمي واسع على مشروعية الديمقراطية الليبرالية، في المبدأ على الأقل. وبكلمات الاقتصادي أمارتيا سن، “في وقت لا تمارَس فيه الديمقراطية على المستوى الكوني بعد، ولا هي مقبولة بشكل موحد في الحقيقة، في المناخ العام للرأي العالمي، حققت الحكومات الديمقراطية الآن مكانة النظر إليها على أنها صائبة بشك عام”. وهي مقبولة بشكل واسع أكثر ما يكون في البلدان التي وصلت إلى مستوى من الازدهار الاقتصادي، الذي يكفي للسماح بأغلبية من مواطنيها بأن يفكروا في أنفسهم على أنهم طبقة وسطى، وهو السبب في أن هناك ميولاً إلى وجود تعالق بين المستويات العالية من التطور وبين الديمقراطية المستقرة.
بعض المجتمعات، مثل إيران والعربية السعودية، ترفض الديمقراطية الليبرالية لصالح شكل من الثيوقراطية الإسلامية. ومع ذلك، فإن هذه المجتمعات ذات نهايات تنموية مغلقة، والتي تبقى حية فقط لأنها تستقر على برك هائلة من النفط. وكان هناك ذات مرة اعتراض عربي كبير على الموجة الثالثة، لكن الربيع العربي بيّن أن الشعوب العربية يمكن تحشيدها ضد الدكتاتوريات تماماً بنفس السهولة التي جرى بها تحشيد الشعوب في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ولا يعني هذا بالطبع أن الطريق إلى ديمقراطية عاملة جيداً سيكون سهلاً أو مُباشراً في تونس، ومصر أو ليبيا، لكنه يقترح فعلياً أن الرغبة في الحرية السياسية والتشاركية ليست مزية ثقافية مخصوصة مقصورة على الأوروبيين والأميركيين.
يأتي التحدي الوحيد الجدي للديمقراطية الليبرالية في عالم اليوم من الصين، التي قرنت الحكم الاستبدادي مع اقتصاد سوق، جزئياً. والصين وريثة تقليد طويل وفخور من الحكم البيروقراطي عالي النوعية، وتراث يمتد وراء إلى ألفيتين. وقد أدار قادتها تحولاً معقداً جداً من اقتصاد مركزي على الغرار السوفياتي إلى اقتصاد دينامي مفتوح، وفعلوا ذلك بكفاءة لا تصدق –كفاءة أكبر، بصراحة، مما كشف عنه القادة الأميركيون في إدارة سياسة اقتصادهم الكلي الخاص مؤخراً. ويبدي الكثيرون من الناس إعجابهم حالياً بالنظام الصيني، ليس بسبب سجله الاقتصادي فقط، وإنما لأنه يستطيع اتخاذ قرارات هائلة معقدة بسرعة، مقارنة مع شَلل السياسة المؤلم الذي ضرب كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات القليلة الماضية. وقد شرع الصينيون أنفسهم، خاصة منذ الأزمة المالية الأخيرة، بتسويق “النموذج الصيني” كبديل عن الديمقراطية الليبرالية.
ومع ذلك، يبقى من غير المرجح أن يصبح هذا النموذج أبداً بديلاً جديّاً لليبرالية الديمقراطية في المنطقة خارج نطاق شرق آسيا. ففي المقام الأول، يظل هذا النموذج محصوراً بثقافته: فالحكومة الصينية مبنية حول تراث طويل من توظيف الجدارة، واختبارات الخدمة المدنية، والتركيز العالي على التعليم، واحترام السلطة التكنوقراطية. ويمكن لبضعة بلدان نامية أن تأمل بتقليد هذا النموذج؛ تلك التي كانت تعيش في داخل المنطقة الثقافية الصينية، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية (في فترة سابقة على الأقل). ويتشكك الصينيون أنفسهم فيما إذا كان يمكن تصدير نموذجهم؛ وكان ما يدعى “إجماع بيجين” اختراعاً غربياً، وليس صينياً.
كما أن من غير الواضح أيضاً إذا ما كان بالوسع إدامة هذا النموذج؛ إذ لن يستمر النمو المدفوع بالصادرات، ولا نهج اتخاذ القرار من الأعلى إلى الأسفل، في توليد نتائج جيدة إلى الأبد. وتقترح حقيقة أن الحكومة الصينية لم تسمح بالنقاش المفتوح حول حادث القطارات السريعة الكارثي الذي وقع السنة الماضية، وعدم اعتبارها وزير السكك الحديدية مسؤولاً عنه حتى أخمص قدميه، تقترح أن هناك قنابل موقوتة أخرى مخبأة خلف واجهة اتخاذ القرار الكفؤ.
وأخيراً، تواجه الصين نقطة ضعف أخلاقية كبيرة على الطريق. إن الحكومة الصينية لا تجبر مسؤوليها على احترام الكرامة الأساسية لمواطنيها. وفي كل أسبوع، هناك احتجاجات جديدة هناك بسبب مصادرات للأراضي، وانتهاكات للبيئة، أو فساد فاضح لمسؤول ما. وفي وقت ينمو فيه البلد سريعاً، فإنه يمكن كنس هذه الإساءات تحت السجادة. لكن النمو السريع لن يستمر إلى الابد، وسيكون على الحكومة أن تدفع ثمناً لذلك في شكل غضب مكبوت. لم يعد لدى النظام هناك أي مثال مرشد ينتظم حوله بعد الآن؛ إنه يُدار على يد حزب شيوعي يفترض أنه ملتزم بالمساواة، والذي يحكم مجتمعاً موسوماً بانعدام دراماتيكي ومطّرد للمساواة.
وإذن، لا يمكن أخذ استقرار المجتمع الصيني أبداً على أنه من المسلمات. وتقول الحكومة الصينية أن مواطنيها مختلفون ثقافياً وسوف يفضلون دائماً دكتاتورية خيّرة معززة للنمو على ديمقراطية فوضوية تهدد استقرار المجتمع. لكن من غير المرجح أن تتصرف الطبقة المتوسطة المنتشرة في الصين بكل ذلك الاختلاف عن الطريقة التي تصرفت بها في الأجزاء الأخرى من العالم. وربما تكون الأنظمة الاستبدادية الأخرى بصدد محاولة تقليد نجاح الصين، لكن هناك فرصة صغيرة في أن يبدو الكثير من العالم مثل صين اليوم خلال السنوات الخمسين القادمة.
مستقبل الديمقراطية
هناك تعالق واسع بين النمو الاقتصادي، والتغير الاجتماعي، وهيمنة أيديولوجية الديمقراطية الليبرالية في العالم اليوم. وفي الوقت الراهن، لا يبدو أن ثمة أي أيديولوجية منافسة معقولة تلوح في الأفق. لكن بعض الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية المقلقة جداً، والتي ستهدد، إذا ما استمرت، استقرار الديمقراطيات الليبرالية القائمة، كما ستخلع عن عرشها الأيديولوجية الديمقراطية بشكلها القائم.
كان عالم الاجتماع بارينغتون مور قد أكد ذات مرة بشكل قاطع: “لا بورجوازيين، لا ديمقراطية”. وكان السبب في عدم حصول الماركسيين على اليوتوبيا الشيوعية هو أن الرأسمالية الناضجة ولّدت مجتمعات الطبقة الوسطى، وليس مجتمعات الطبقة العاملة. ولكن، ماذا لو أفضى المزيد من تطور التكنولوجيا والعولمة إلى إضعاف الطبقة الوسطى وأتاح لحجم أكثر من أقلية من المواطنين مجتمعاً متقدماً يحققون فيه وضع طبقة وسطى؟
ثمة إشارات وفيرة موجودة فعلاً على أن مثل هذا الطور من التطور قد بدأ. فقد كان متوسط الدخول في الولايات المتحدة راكداً من حيث الحقيقة منذ السبعينيات. وجرى تخفيف التأثير الاقتصادي لهذا الركود إلى حد ما بحقيقة أن معظم الأسر الأميركية تحوّلت إلى اثنين من كاسبي الدخل بدلاً من واحد خلال فترة الجيل الماضي. وبالإضافة إلى ذلك، وكما طرح الاقتصادي راغورام راجان بطريقة مقنعة، فبما أن الأميركيين مترددون في الانخراط في عملية إعادة توزيع مباشرة، حاولت الولايات المتحدة بدلاً من ذلك شكلاً بالغ الخطر وغير كفؤ من إعادة التوزيع طوال الجيل الماضي، عن طريق دعم القروض العقارية للأسر متدنية الدخل. هذا الاتجاه الذي سهله طوفان السيولة المتدفق من الصين والدول الأخرى، أعطى للعديد من الأميركيين العاديين الوهم بأن معايير عيشهم ترتفع بثبات خلال العقد الماضي. وفي هذا الصدد، لم يكن انفجار فقاعة الإسكان في العامين 2008-9 أكثر من ارتداد قاس إلى الوسط. وربما يستفيد الأميركيون اليوم من الهواتف النقالة الرخيصة، والملابس الرخيصة، والفيسبوك، لكنهم يفقدون باطراد القوة على تحمل أثمان بيوتهم الخاصة، أو كلفة تأمينهم الصحي، أو الحصول على معاشات مريحة عندما يتقاعدون.
ثمة ظاهرة أكثر إقلاقاً، والتي شخصها الرّأسمالي المغامر بيتر ثايل والاقتصادي تايلر كوين، هي أنّ منافع الموجات الأكثر حداثة من الابتكار التقني حصلت بشكل غير متناسب للأعضاء الأكثر موهبة والأفضل تعليماً في المجتمع. وقد ساعدت هذه الظاهرة على التسبب بنمو هائل في التفاوت وانعدام الدخل في الولايات المتحدة طوال فترة الجيل الماضي. في العام 1974، كانت نسبة 1 % العليا من العائلات تأخذ إلى بيوتها 9 % من الناتج المحلي الإجمالي؛ وبحلول العام 2007، ارتفعت تلك النسبة إلى 23.5 %.
ربما تكون سياسات التجارة والضرائب قد سرعت هذا الاتجاه، لكن الشرير الحقيقي هنا هو التكنولوجيا. في المراحل الأبكر من الانتقال إلى التصنيع –عصور المنسوجات، والفحم، والصلب، ومحرك الاحتراق الداخلي- كانت منافع التغيرات التقنية تتدفق دائماً تقريباً بطرق ملفتة إلى بقية المجتمع عن طريق العَمالة. لكن ذلك ليس من قوانين الطبيعة التي لا تتغير. إننا نعيش اليوم في ما أسماه المفكر شوشانا زوبوف “عصر الآلة الذكية”، الذي تتمكن فيه التقنية باطراد من الحلول محل المزيد من الوظائف البشرية العليا. ويرجح أن يعني كل تقدم عظيم يتم إحرازه في وادي السيليكون فقدان أعمال متدنية المهارة في مكان آخر من الاقتصاد، وهو اتجاه لا يرجح أن ينتهي في أي وقت قريب.
كان التفاوت موجوداً دائماً، كنتيجة للفروقات الطبيعية في الموهبة والشخصية. لكن عالم اليوم التكنولوجي يضخم هذه الفوارق بشكل كبير. وفي مجتمع القرن التاسع عشر الزراعي، لم تكن لدى الناس ذوي المهارات القوية في الرياضيات كل هذه الفرص الكبيرة للبناء على موهبتهم. أما اليوم، فقد أصبح بوسعهم أن يكونوا سحَرة ماليين أو مهندسي برمجيات، وأن يأخذوا إلى بيوتهم مقادير لا تني تتعاظم من الثروة القومية.
أما العامل الثاني الذي يوهن دخول الطبقة الوسطى في الدول المتقدمة، فهو العولمة. فمع خفض كلف النقل والاتصالات والدخول إلى مصادر قوة العمل الكونية من مئات الملايين من العاملين الجدد في الدول النامية، أصبح بالوسع الآن الحصول عى نوع العمل الذي كانت تؤديه الطبقة الوسطى في المجتمعات المتقدمة في أماكن أخرى بأجور أرخص. وضمن نموذج اقتصادي يسند الأولوية إلى تعظيم الدخل الإجمالي إلى أقصاه، فإن من الحتمي أن تتم الاستعانة بمصادر عمالة خارجية.
كان يمكن لسياسات وأفكار أذكى أن تحتوي الضرر. فقد نجحت ألمانيا في حماية جزء يعتد به من قاعدتها الصناعية وقواها العاملة الصناعية، حتى مع بقاء شركاتها منافسة عالمياً. أما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، على الجهة الأخرى، فقد اعتنقتا بسرور عملية التحول إلى مجتمع الخدمات ما بعد الصناعي. وقد أصبحت التجارة الحرة أيديوليوجية أكثر من كونها نظرية: عندما حاول الكونغرس الأميركي الرد بعقوبات تجارية ضد الصين بسبب إبقاء عملتها مقومة بأقل من قيمتها، تم توجيه الاتهام إليه مباشرة بالحمائية، كما لو كان ميدان اللعب مستوياً سلفاً. وكان هناك الكثير من الحديث السعيد عن عجائب اقتصاد المعرفة، وكيف يمكن استبدال وظائف التصنيع القذرة والخطرة حتماً بعاملين متعلمين جيداً يقومون بأعمال خلاقة ومثيرة للاهتمام. كان ذلك حجاباً رقيقاً أسدل على الحقائق الصلبة للعولمة، والذي أغفل حقيقة أن منافع النظام الجديد حصلت بشكل غير متناسب لعدد صغير جداً من الناس في قطاع التمويل والتقنية العالية، وهي مصالح هيمنت على الإعلام والحوار السياسي العام.
اليسار الغائب
لعل إحدى أكثر التجليات إثارة للحيرة في العالم في أعقاب الأزمة المالية، هي أن الشعبوية اتخذت، حتى الآن، شكل اليمين، وليس اليسار.
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وعلى الرغم من أن حزب الشاي ضد-نخبوي في خطابه، فإن أعضاءه يصوتون للساسة المحافظين الذين يخدمون بالضبط مصالح أولئك الممولين ونخب الشركات الذين يزعمون أنهم يزدرونهم. وهناك الكثير من التفسيرات لهذه الظاهرة: منها اعتقاد مترسخ عميقاً بتكافؤ الفرصة أكثر من الإيمان بتكافؤ الناتج؛ وحقيقة أن القضايا الثقافية، مثل الإجهاض وحقوق امتلاك السلاح، تتقاطع مع القضايا الاقتصادية.
لكن السبب الأعمق هو أن اليسار الشعبوي ذا القاعدة العريضة فشل في تجسيد ذاته في شكل يسار فكري. وقد مرت العديد من العقود منذ استطاع أي أحد في اليسار إنتاج؛ أولاً، تحليل متساوق لما يحدث في بنية المجتمعات المتقدمة بينما تمر بالتغير الاقتصادي؛ وثانياً، أجندة عقلانية تنطوي على أي أمل في حماية مجتمع من الطبقة الوسطى.
كانت الاتجاهات في فكر اليسار خلال الجيلين السابقين –بصراحة- كارثية، سواء كأطر عمل مفاهيمية أو كأدوات للتحشيد. وقد ماتت الماركسية منذ العديد من السنوات، والمؤمنون القلائل بها ممن ما يزالون موجودين جاهزون لإرسالهم إلى ملاجئ العجزة. وقد استبدلها اليسار الأكاديمي بمدارس ما بعد الحداثة، والتعددية الثقافية، والنسوية، والنظرية النقدية، ومجموعة من الاتجاهات الفكرية الأخرى المتشظية التي تظل ثقافية أكثر من كونها اقتصادية من حيث التركيز. وتبدأ ما بعد الحداثة بإنكار لإمكانية أي سرد رئيسي للتاريخ أو المجتمع، مقوضة سلطتها الخاصة كصوت لأغلبية المواطنين الذين يشعرون بخذلان نخبتهم لهم. وتعمل التعددية الثقافية على تأكيد سمة الضحية على كل جماعة خارجية. ومن المستحيل توليد حركة تقدمية جماهيرية على أساس مثل هذا الشرط من التنوع وتباين الألوان: فمعظم مواطني الطبقة العاملة وأدنى الطبقة الوسطى من الذين كانوا ضحية للنظام هم محافظون ثقافياً، وسوف يشعرون بالحرج من أن يراهم أحد في حضور حلفاء على هذا النحو.
أياً تكن التفسيرات النظرية الكامنة خلف أجندة اليسار، فإن مشكلته الكبرى هي الافتقار إلى المصداقية. وطوال فترة الجيلين السابقين، اتبع اليسار السائد برنامجاً اشتراكياً ديمقراطياً يركز على تزويد الحكومة للناس بمجموعة من الخدمات، مثل معاشات التقاعد، والعناية الصحية والتعليم. وقد أصبح ذلك النموذج الآن مستنفداً: فقد أصبحت دول الرفاه كبيرة، بيروقراطية وغير مرنة؛ وعادة ما تسيطر عليها نفس المنظمات التي تديرها من خلال نقابات القطاع العام، والأهم أنها غير قابلة للاستدامة مالياً نظراً لشيخوخة السكان فعلياً في كل مكان من العالم المتقدم تقريباً. وهكذا، وعندما وصلت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية إلى السلطة، فإنها لم تعد تتطلع لأن تكون أكثر من وصية على دولة الرفاه التي كانت قد أنشئت قبل عقود؛ لا أحد لديه أجندة جديدة مثيرة يمكن تجميع الجماهير حولها.
أيديولوجية للمستقبل
تخيل، للحظة، مؤلفاً غامضاً يجلس اليوم في علية في مكان ما، ويحاول أن يضع الخطوط العامة لأيدويولوجية تصلح للمستقبل، والتي يمكن أن تقدم مساراً عقلانياً واقعياً باتجاه عالم بمجتمعات طبقة وسطى معافاة وديمقراطيات قوية. كيف يمكن أن تبدو مثل هذه الأيديولوجية؟
ينبغي لهذه الأيديولوجية أن تنطوي على الأقل على مكونين: سياسي واقتصادي. سياسياً، سوف تحتاج الأيديولوجية الجديدة إلى إعادة التأكيد على سيادة السياسات الديمقراطية على الاقتصاد، وإلى إسباغ الشرعية ثانية على الحكومة كتعبير عن المصلحة العامة. لكن الأجندة التي تضعها لحماية حياة الطبقة الوسطى لا يمكن أن تعتمد ببساطة على الآليات القائمة لدولة الرفاة. سوف تحتاج هذه الأيديولوجية إلى أن تعيد تصميم القطاع العام بشكل ما، محرّرة إياه من اعتماديته على أصحاب الحصص الحاليين، ومستخدمة مناهج جديدة معززة بالتقنية لتقديم الخدمات. وسيكون عليها أن تدافع مباشرة عن المزيد من إعادة توزيع الثروة وأن تقدم مساراً عقلانياً باتجاه إنهاء هيمنة جماعات المصلحة على السياسة.
اقتصادياً، لا يمكن لهذه الأيديولوجية أن تبدأ بانسحاب من الرأسمالية ونقضها على هذا النحو، كما لو كانت الاشتراكية عتيقة الطراز ما تزال بديلاً قابلاً للحياة. إن التنويعات على الرأسمالية هي التي ستكون على المحك، والدرجة التي يجب أن تساعد بها الحكومات المجتمعات على التكيف مع التغيير. لا ينبغي النظر إلى العولمة على أنها واقع من وقائع الحياة يتعذر تغييره، وإنما كتحدّ وكفرصة، والتي تنبغي السيطرة عليها سياسياً بحذر. وينبغي أن لا تنظر الأيديولوجية الجديدة إلى الأسواق على أنها غاية في ذاتها؛ وإنما ينبغي أن تقوم بدلاً من ذلك بتقييم التجارة العالمية والاستثمار بالقدر الذي أسهما فيه في خلق طبقة وسطى مزدهرة، وليس فقط في خلق الثروة القومية الإجمالية.
لكنه ليس من الممكن الوصول إلى هذه النقطة، مع ذلك، من دون إنتاج نقد جاد ومطّرد للكثير من صرح الاقتصاد النيو-كلاسيكي الحديث، بدءاً من الافتراضات الأساسية، مثل سيادة التفضيلات الفردية، وأن الدخل الإجمالي هو مقياس دقيق للرفاهية القومية. وسيكون على هذا النقد أن يلاحظ أن مداخيل الناس لا تمثل بالضرورة إسهامهم الحقيقي للمجتمع. وسيكون عليها أن تذهب أبعد، مع ذلك، فتعترف بأنه حتى لو كانت أسواق العمالة كفؤة، فإن التوزيع الطبيعي للمواهب ليس عادلاً بالضرورة، وبأن الأفراد ليسوا كينوتات سيادية مستقلة، وإنما كائنات تشكلها إلى حد كبير مجتمعاتها التي تحيط بها.
كانت معظم هذه الأفكار حاضرة في شكل قصاصات منذ بعض الوقت؛ وسيكون على المؤلف الذي يقوم بالتخطيط لأيديولوجية المستقبل أن يلمّها في حزمة متساوقة. وسيكون عليه/ أو عليها أن يتجنب أيضاً مشكلة “العنوان الخطأ”. وينبغي لنقد العولمة، أن يُربط بالقومية كاستراتجية للتحشيد بطريقة حددت المصلحة القومية في شكل أكثر تعقيداً من -على سبيل المثال- حملات “اشتر السلع الأميركية” التي أطلقتها النقابات في الولايات المتحدة. وسيكون الناتج تآلف أفكار من اليسار واليمين على حد سواء، منفصلاً عن أجندة الجماعات المهمشة التي تشكل الحركة التقدمية القائمة. وسوف تكون هذه الأيديولوجيا شعبوية؛ وستبدأ الرسالة بنقد للنخب التي سمحت بالتضحية بمصلحة الكثرة لمصلحة القلة، وبنقد لسياسة النقود، خاصة في واشنطن، التي تفيد الأثرياء بشكل ساحق.
إن المخاطر الكامنة في مثل هذه الحركة واضحة: تراجع تقوم به الولايات المتحدة، بشكل مخصوص، عن دفاعها عن نظام كوني أكثر انفتاحاً، والذي يمكن أن يوقف الاستجابات الحمائية في الأماكن الأخرى. وبالعديد من المعاني، نجحت ثورة ريغان-تاتشر تماماً كما أمل خصومها، جالبة عالماً يصبح باطراد أكثر تنافسية، وعولمة، وخلواً من الاحتكاك. وعلى طول الطريق، ولدت ثروة هائلة ونشأت طبقات وسطى صاعدة في كل أنحاء العالم المتقدم، والتي نشرت الديمقراطية في ركابها. ويحتمل أن يكون العالم المتطور على عتبة سلسلة من الاختراقات التقنية التي لن تعمل فقط على زيادة الإنتاجية، وإنما ستقدم أيضاً وظائف يعتد بها لأعداد كبيرة من أفراد الطبقة الوسطى.
لكن ثمة أمراً يتعلق بالإيمان أكثر مما يشكل تأملاً في الحقيقة الإمبريقية للسنوات الثلاثين الأخيرة، والذي يشير إلى الاتجاه المعاكس. وفي حقيقة الأمر، هناك الكثير من الأسباب للتفكير بأن التفاوت في مستويات المعيشة وانعدام المساواة سيستمران بالذهاب إلى الأسوأ. وقد شرع تركز الثروة الحاليّ في الولايات المتحدة فعلاً بأن يصبح فارضاً لذاته: كما قال الاقتصادي سايمون جونسون، استخدم القطاع المالي اللوبي الذي يمثله ليتجنب إقرار أشكال أكثر إرهاقاً من التنظيم. وقد أصبحت مدارس حسني الحال أفضل من أي وقت مضى، بينما تستمر المدارس المخصصة لكل الآخرين بالتدهور. وتستخدم النخب في كافة المجتمعات وصولها الفائق إلى النظام السياسي لحماية مصالحها، بينما يغيب أيّ تحشيد ديمقراطي مواز لرتق الوضع. وليست النخب الأميركية استثناء من القاعدة.
لكن التحشيد لن يحدث، مع ذلك، طالما بقيت الطبقات الوسطى في العالم المتطور أسيرة لسرد الجيل السابق: من أن مصالحها ستُخدم أفضل ما يكون بوجود أسواق تصبح أكثر حرية باطراد، وبدول أصغر. أما السرد البديل، فموجود هناك، ينتظر أن يُولد.

هوامش
(1) الأممية الثانية (1889-1916)، في الأصل الاشتراكية الدولية، هي منظمة من الأحزاب الاشتراكية والعمالية التي تشكلت في باريس يوم 14 تموز (يوليو)، 1889. وقد شاركت في اجتماع باريس وفود من 20 بلدا. واصلت الدولية الثانية عمل “الأممية الأولى” المنحلة، من خلال استبعاد الحركة النقابية-الفوضوية التي كانت ما تزال قوية، وظلت قائمة حتى العام 1916. ومن بين الإجراءات الشهيرة للأممية الثانية كان إعلان العام (1889) عن 1 أيار (مايو) ليكون يوم العمال العالمي، وإعلان العام (1910) عن 8 آذار (مارس) ليكون يوم المرأة العالمي. وقد أسست الحملة الدولية لجعل يوم العمل 8 ساعات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock