أفكار ومواقفرأي اقتصادي

مستقبل التحول الرقمي للمصارف العالمية ما بعد أزمة “كورونا”

غسان الطالب*

في الوقت الذي تحاصر فيه أزمة كورونا العديد من اقتصادات دول العالم وتعرضت فيه الأسواق المالية والمؤسسات المصرفية لأضرار وخسائر مالية بسبب تفشي الإصابات والإغلاقات التي تلت ذلك كما هي بقية القطاعات الاقتصادية، ظهرت الحاجة الى اللجوء الى العمليات المالية الالكترونية وتوسعت العديد من المصارف في تقديم هذه الخدمات تجنبا لأي تجمعات للعملاء، وعملا بمستلزمات وشروط السلامة العامة، ما أظهر الحاجة للعمل المصرفي الالكتروني وتطويره بالشكل الذي يلبي كل الخدمات المالية المقدمة لعملاء المصرف ثم الانتقال الى التعامل الرقمي لضمان استمرار هذه المصارف في تقديم خدماتها المالية، وليس بالجديد اذا قلنا إن ظاهرة البنوك التي حولت عملياتها المالية بواسطة الشبكة العنكبوتية ترجع الى منتصف التسعينيات من القرن الماضي مع ظهور أول بنك إلكتروني في الولايات المتحدة الأميركية ثم تلاها بريطانيا واليابان وكوريا وأخيرا البلاد العربية، وأسهم في سرعة انتشارها الى الحجم البسيط للكلفة التشغيلية مقارنة مع البنوك التقليدية، مع إمكانية الوصول إلى قاعدة أوسع من العملاء وتلبية خدماتهم في أي وقت يطلبونها وعبر أجهزتهم الإلكترونية الذكية، إضافة الى أمن وسرية المعلومات التي تتعلق بمعاملاتهم المالية.
سردنا هذه المقدمة لنتحدث عن مستقبل مصارفنا الإسلامية في حال تحول العالم الى البنوك الرقمية في الوقت الذي تشهد فيه الصناعة المصرفية حول العالم تسارعا لافتا للنظر وسعيها لتطوير خدماتها المصرفية الرقمية عبر الإنترنت مع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي يشهدها العالم بسبب فيروس كورونا، والهدف من سعي البنوك عامة من تطوير خدماتها الإلكترونية والرقمية هو مواكبة التطورات الهائلة والسريعة في عالم التكنولوجيا وثورة الاتصالات الكبيرة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة القطاع المصرفي، والتي من المتوقع أن تفضي مع الوقت الى اختفاء البنوك التقليدية والتحول الى البنوك الرقمية، لكن لا يمكن لنا تقدير النتائج التي ترافق ذلك وانعكاسها على مستقبل الأيدي العاملة بعد أن يتراجع عدد البنوك التقليدية في العالم. وسيتعين على مصارفنا الإسلامية كذلك الارتقاء بمستوى إدارة البيانات الرئيسية لديها ثم تحديدها، ورسم استراتيجية مبنية على فهم مستقبل الثورة الرقمية، إلى جانب تطوير مجموعة من أدوات التحليل، المتصلة بمصادر البيانات القائمة والجديدة ثم ربطها مع العمليات المتصلة بمركز اتخاذ القرار حتى نتمكن من وضع تصور واضح لمستقبل صناعتنا المصرفية الاستثمار الكلية، لكن بالمقابل سوف يضع صناعتنا المصرفية في مصاف المؤسسات المالية العالمية الكبرى ويكون لديها مساحة من الأفق لتحقيق المنافسة في مجال الخدمات المصرفية تم الابتكار لمنتجات مالية جديدة، ثم مواكبةً للنمو المتسارع للتكنولوجيا الرقمية، في وقت تتسابق فيه المصارف حول العالم لتوفير الخدمات الإلكترونية والرقمية كافة لعملائها.
نحن أكثر ما نكون محتاجين للاستثمار في الوقت والجهد لتسهيل وصول الخدمات المصرفية والمنتجات المالية للمتعاملين بكفاءة عالية في ظل التحول الرقمي الذي نشهده اليوم، كما أننا بحاجة ماسة الى الاستثمار في الابتكار مع العلم بأن البيئة الشرعية متوفرة كذلك البيئة القانونية وبجهود تبذلها المؤسسات الرقابية عامة، وليس من المستغرب أن يرافق هذا التحول في حال حدوثه بعض التحديات التي قد ترافق عملية الانتقال الى التكنولوجيا المالية هي تلك المتمثلة في العنصر البشري ومستوى الكفاءة التي يعمل بها، فيتوجب إعداده مبكرا لنتمكن من مجاراة هذا التطور والتكيف معه، بحيث نكون قادرين على التعامل مع الابتكارات الحديثة في بيئة تشتد فيها المنافسة، وقد ينعكس ذلك سلبا على ربحية المصارف وكفاءتها، وبالتالي على حصتها السوقية.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock