أفكار ومواقف

مستقبل اللغة العربية

مساء الاثنين الماضي نظمت مؤسسة ولي العهد مناظرة، شارك فيها أربعة مختصين حول مدى أهلية اللغة العربية لأن تكون لغة عصرية تستطيع استدخال العلوم الحديثة والتكنولوجيا التي تتعاظم كل لحظة.
النائب د. ديمة طهبوب والرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان فالنتينا قسيسية تبنتا الطرح القائل بديناميكية اللغة العربية وقدرتها على استيعاب مختلف العلوم الحديثة، فيما وقف المهندسان رامي عدوان وبشار عرفه مخالفين لهذا الرأي، رغم إقرارهما بأن العربية لغة متطورة، لكنهما رأيا أن تدريس العلوم والتعبير من مفرداتها ومصطلحاتها سيظل أكثر سهولة باللغة الانجليزية.
لم يكن البون شاسعاً بين الفريقين، ولكن ما لم تتطرق إليه المناظرة، هو المستقبل الحقيقي للغة العربية في الأساس، فهو بالتأكيد سؤال جوهري لا بد من طرحه ونحن نعيش في قرية كونية باتت الثقافة فيها تشاركية، ويتم تسويقها عبر الثورة الرقمية، وقد أصبحت مفروضة على وعينا، حتى لو حاولنا الرفض أو المقاومة.
المتفائلون بمستقبل العربية، يؤشرون على أنها رابع لغة من حيث الاستخدام في العالم، وهو تأشير مضلل بعض الشيء، فهو يتأتى من أنها لغة القرآن الكريم، وأن المسلمين حول العالم مضطرون لتعلمها لكي يستطيعوا التعبد وقراءة القرآن، ولكن ما لم يقله هؤلاء هو أنه حتى أهل اللغة من العرب لا يحسنون قراءة القرآن اليوم، وإذا أردنا معرفة مدى تداولها فلا بد لنا من مقياس آخر يعبر حقيقة عن هذا الوضع.
الأمر الخطير أن القراءة اليوم تتم في معظمها من خلال شبكة الإنترنت، وفي آخر إحصائية نشرت عن اللغات ومدى انتشارها على الشبكة العنكبوتية، حلّت اللغة العربية في المرتبة 17، وبلغت نسبتها من المحتوى الكلي على الإنترنت 0.6 % فقط مع نهاية 2018، متراجعة عن المرتبة السابعة التي كانت عليها في العام 2011 وبنسبة وصلت آنذاك إلى 1.6 %!
هذه هي الكارثة الحقيقية، فملايين الناشئة العرب الذين يلجؤون إلى الانترنت ساعات طويلة يومياً والطلبة والباحثون، يضطرون إلى الاستعانة بالصفحات الإنجليزية التي تبلغ نسبتها 53.8 % من المحتوى الإلكتروني الكلي.
حتى هذه النسبة الهامشية من المشاركة العربية في المحتوى، سنجدها قليلة الجودة، إذا ما علمنا أن أكثر المواقع اشتمالا على محتوى عربي هي فيسبوك وويكبيديا وياهوو وتويتر، ونحن نعلم بالخبرة نوعية اللغة المستخدمة في مثل هذه المواقع، إذ غالباً ما تكون غير سليمة وركيكة، وهو أيضا محتوى نادر يشكل مرجعا معرفيا، إذ غالبا ما يشتمل على شطحات وتعبيرات شخصية ذاتية.
هذا الأمر يشكل خطورة كبيرة على العربية، ويوسع الهامش بين الفصيح وبين اليومي المتداول، خصوصاً بعد أن “تقاعدت” مجامع اللغة العربية، على اختلافها، من وظيفتها الأساسية القائمة على تطوير اللغة، وتعريب المفردات والمصطلحات.
وإذا أردنا أن نعرف مدى الرمال التي تتسرب من بين أصابعنا، فعلينا أن نجري إحصائية لعدد المفردات الحديثة التي أنشأتها الثورة الصناعية الجديدة وثورة المعلومات، ثم نقارنها بما تم تعريبه منها، لنكتشف حجم الفاجعة التي نعيش في ظلها، من غير أن نحرك ساكناً، بل نعمد دائما إلى طمأنة أنفسنا بأن لغتنا لن تموت!!
الكارثة ماثلة اليوم أمام أعيننا، ونحن نشيح بوجهنا عنها، فالشباب أقل قدرة على التعبير عن أنفسهم بالعربية، ويجدون أنه من الأسهل لهم أن يعبروا بالإنجليزية. مقابلات العمل في القطاع الخاص تتم باللغة الإنجليزية، والعروض التقديمية ودورات تدريب الموظفين كذلك، أما الحوارات العادية بين الشباب، فغالبيتها بالإنجليزية أو تكون “مطعمة” بالكثير من المفردات الأجنبية.
نحن مستسلمون اليوم لقدرنا، ونعبّر عن انهزامية كبيرة، ونحن نغادر إرثنا وهويتنا نحو المجهول.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock