ترجمات

مستقبل حرب بوتين في سورية

آنا بورشفسكايا؛ ليستر غراو؛ ومايكل ماكفول*

– (معهد واشنطن) 8 -11-2021

يبدو الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعيداً بالنزاع المجمد في سورية بما أنه لا أحد يولي اهتماماً جدياً بذلك البلد. وفي حين أن المسؤولين الأميركيين غالباً ما يعتقدون بأنهم في حاجة إلى “حل” المشاكل العالمية مثل النزاع في سورية، إلا أن بوتين ينظر إلى الأمور بمنظار مختلف. إنه سعيد بترك المشاكل على ما هي عليه إلى حين تقويض وتداعي المصالح الأميركية.
في 4 تشرين الثاني (نوفمبر)، عقد معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً مع آنا بورشيفسكايا، وليستر غراو، ومايكل ماكفول. وبورشيفسكايا هي زميلة أقدم في المعهد ومؤلفة الكتاب الجديد “حرب بوتين في سورية: السياسة الخارجية الروسية وثمن غياب أميركا”. وغراو هو مدير الأبحاث في “مكتب الدراسات العسكرية الأجنبية” في منشأة “فورت ليفنوورث” التابعة للجيش الأميركي بولاية كانساس، وأحد كبار خبراء “الجيش الأميركي” في شؤون روسيا. وماكفول هو مدير “معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية” بجامعة ستانفورد وسفير الولايات المتحدة السابق في روسيا. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم.

  • * *
    آنا بورشيفسكايا
    يُعد الانخراط الحالي لفلاديمير بوتين في سورية، جزئياً على الأقل، امتداداً طبيعياً لمصلحة بلاده القائمة منذ قرون في الشرق الأوسط عموماً، وفي شرق البحر المتوسط على وجه التحديد. وعبر التاريخ، لطالما ساور روسيا قلق كبير بشأن حدودها الجنوبية، معتبرةً إياها نقطة ضعفها الرخوة. وينفرد بوتين ببعض جوانب تدخّل موسكو في سورية، بينما تقوم الجوانب الأخرى على التعاملات قصيرة الأجل، لكن المصالح الروسية في المنطقة أعمق بكثير من المشروع الخاص بالزعيم الحالي.
    ولفهم هذه المصالح، يجب أن نقر بأن روسيا تمتلك رؤية لعالم متعدد المراكز، وأن هذه الرؤية تتعارض بطبيعتها مع أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك، ركزت موسكو منذ فترة طويلة على كبح النفوذ الأميركي في الخارج. وقد ورث بوتين وجهة النظر هذه وتصرّف على أساسها بطرق جديدة. فمنذ البداية، سعى إلى إعادة انخراط روسيا في الشرق الأوسط، وهو أكثر واقعية واستعداداً من أسلافه لتنمية العلاقات مع الأطراف كافة في المنطقة. ومع ذلك، فإن رؤيته المعادية للغرب دفعته إلى تعزيز أعمق العلاقات مع قادة من ذوي التفكير المماثل، من أمثال الرئيس السوري بشار الأسد.
    وبالتالي، منذ اندلاع الحرب السورية، كان بوتين مصمماً على منع سقوط الأسد. لم يكن يريد أن يرى الولايات المتحدة تُطيح بزعيم دولة آخر، ولذلك شرع في حماية الرئيس الأسد بطرق متعددة حتى قبل التدخل العسكري الروسي في العام 2015. واليوم، تمكن من تحقيق هذا الهدف من دون أن يتورط في أزمة أو يتكبد تكاليف باهظة. ونتيجة لذلك، أخذت سائر دول المنطقة في الحسبان موقف روسيا المعزز في سورية -ففي نظرها يتناقض التزام بوتين بحماية الأسد بشكل صارخ مع الموقف المتأرجح للدول الغربية.
    على الأرجح، سوف تعود سورية الآن إلى حالة النزاع المجمّد. وقد يكون ذلك مناسباً للغاية بالنسبة لروسيا التي تتمتع بخبرة واسعة في التعامل مع مثل هذه النزاعات، وقادرة على الصمود في هذه البيئة. كما يمكن لموسكو أن تعمل كوسيط، والتحدث مع جهات فاعلة معيّنة لا يمكن للآخرين التفاوض معها. وإذا تمكّنت الأطراف من التوصل إلى حل فعلي في سورية، فلن يحتاج أحد إلى بوتين، لكن الجميع سيكون بحاجة إليه إذا تمت إدارة النزاع فقط.
    في الوقت الحالي، ما يزال العالم أحادي القطب، وتستمر الولايات المتحدة في تمتعها بالعديد من المزايا. لكنها قد تفقد هذه المزايا إذا أساءت التعامل مع الشرق الأوسط. وتولي واشنطن أولوية قصوى للصين، ولكن لا يجب التعامل مع سورية على أنها مجرد مصدر إلهاء. والسؤال الفعلي ليس ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة التصدي للنفوذ الروسي في سورية، بل ما إذا كانت ستدرك الأهمية الاستراتيجية للنزاع وتستثمر الموارد الضرورية لتحقيق أهدافها هناك. ولن تكون سورية ملفاً سهلاً للتعامل معه بغض النظر عن النهج الذي تتبعه واشنطن، لكن الأسد يُعد من الزعماء القساة في أيامنا هذه، ولذلك، فإن اتخاذ موقف أقوى وأكثر صرامةً كان ضرورياً منذ البداية، وما يزال كذلك حتى يومنا هذا.
    من الناحية المثالية، ستعيد روسيا تأهيل نفسها يوماً ما وتغيّر سلوكها الحالي. ومن المؤكد أنها لا توجد سوابق كثيرة لمثل هذا التحوّل -على الرغم من أنه كان بالإمكان العثور على أصوات ليبرالية بين أقطاب القيادة الروسية في وقت مبكر من فترة ولاية بوريس يلتسن خلال التسعينيات، إلا أنه سرعان ما تم إبعادها، وأُغلقت نافذة الفرصة تلك. ونأمل أن يُعاد فتحها في المستقبل.
  • * *
    ليستر غراو
    بعيداً عن كون النزاع السوري أرضاً سبخة، فقد أثبت أنه يشكل ساحة مثالية للجيش الروسي لشحذ قدراته واختبار أنظمة قتالية جديدة، وإجراء اختبارات جهد وإصلاح للأنظمة القديمة، وتوفير الخبرة القتالية لجميع عناصره. فالخسائر التي مُني بها كانت محدودة للغاية عموماً -والاستثناء الوحيد كان أسطول الإنزال البرمائي، الذي تم نشره على نطاق واسع لدعم الأسد، وأُصيب بأضرار جسيمة، وتتم الآن إعادة بنائه بتكلفة كبيرة.
    وقد استغلت القوات الروسية التدخل في سورية أيضاً من أجل تطوير بعض قدراتها. على سبيل المثال، كان نشرها لنظام جسر عائم جديد على طول نهر الفرات إنجازاً هندسياً مدهشاً. وحقق الجيش أهدافه الاستراتيجية المتمثلة في دعم الأسد مستفيداً في الوقت نفسه من جني المزيد من المزايا الفورية لفائدته.
    كما اكتسبت “مجموعة فاغنر” وشركات عسكرية خاصة أخرى مرتبطة بالحكومة الروسية أيضاً خبرة قتالية قيّمة في سورية. وقد مكّنت هذه المنظمات موسكو من الانخراط في عمليات ربما لم تكن ترغب في أن يرتبط اسمها بها بشكل مباشر، ما يوفر لها قدرة إنكار معقولة مع الاستمرار في الوقت نفسه في تعزيز أهداف الكرملين في سورية.
    ولم يخلُ التدخل الروسي من التحديات، كما أن التوترات المختلفة التي تغلي تحت السطح قد تطرح مشاكل جديدة في الفترة المقبلة. وعلى سبيل المثال، توجد في روسيا أقلية مسلمة كبيرة، وقد يؤدي التدخل في سورية إلى تفاقم العلاقات المتوترة بين الحين والآخر بين هذه الجماعة والمجتمع المسيحي في البلاد. لكن خلاصة القول هي أن موسكو حققت هدفها الأساسي، وهو بقاء نظام الأسد، من دون الدخول في الأرض السبخة التي توقعها الكثيرون، ومع بعض الفوائد الإضافية لجيشها.
  • * *
    مايكل ماكفول
    على الرغم من أن القوات الجوية الروسية لم تبدأ بقصف عناصر المعارضة في سورية قبل العام 2015، إلا أن موسكو تتمتع بوجود دبلوماسي وعسكري قوي في البلاد منذ عقود. وخلال فترة تواجدي في الحكومة الأميركية، كانت سورية أبرز قضايا السياسة الخارجية على جدول الأعمال، والحقيقة أننا فشلنا فشلاً ذريعاً على هذا الصعيد. وأعتقد أنه من الضروري أن نكون واضحين بشأن ذلك -إن نهجنا لم ينجح. وبالتالي، فإن السؤال هو ما الذي كان بإمكاننا فعله بطريقة مختلفة؟
    لقد أعطى بوتين أهمية لدعم الزعماء الأقوياء في مواجهة الثورات المدعومة من الغرب. فهل ستتصرف روسيا دائماً بهذه الطريقة، أم هل يمكن أن تتغير طريقة التفكير هذه، ربما في عهد رئيس جديد؟ لقد كنت موجوداً في الغرفة في آذار (مارس) 2011 عندما أذعن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف لتدخل الأمم المتحدة ضد الدكتاتور الليبي معمر القذافي. ونعرف أن بوتين لم يستجب بشكل جيد إزاء ذلك. ولذلك، فإن استمرارية استراتيجية موسكو المعادية للغرب هي سؤال مفتوح.
    في الوقت الحالي، حقق بوتين هدفه الرئيسي في سورية، وهو إبقاء الأسد في السلطة. كما حقق بعض الفوائد الثانوية، لا سيما في اختبار وعرض أنواع جديدة من السلطة العسكرية. ومع ذلك، ثمة حدود لنجاحاته. فسورية تبقى منطقة نزاع منقسمة إلى حد كبير. فهل هو مرتاح لهذا الترتيب؟ هل يهتم بتوحيد البلاد؟ من الضروري أن تعرف واشنطن وشركاؤها ما إذا كان بإمكانه التعايش مع هذا الوضع الراهن.
    في الوقت الحالي، يبدو بوتين سعيداً بالنزاع المجمد بما أنه لا أحد يولي اهتماماً جدياً بسورية. وفي حين أن المسؤولين الأميركيين غالباً ما يعتقدون أنهم بحاجة إلى “حل” المشاكل العالمية مثل النزاع في سورية، إلا أن بوتين ينظر إلى الأمور بمنظار مختلف. إنه سعيد بترك المشاكل على ما هي عليه إلى حين تداعي وتقويض المصالح الأميركية. وهو يتّبع استراتيجية عامة تتمثل بالانتظار والترقب.
    تشير بعض رسائل إدارة بايدن إلى أنها لا تمانع النزاع المجمّد، سواء في سورية أو مع روسيا بشكل عام. ومع ذلك، ما تزال استراتيجية البيت الأبيض إزاء سورية مربكة. ويبدو أن الإدارة الأميركية مهتمة للغاية بالمسائل الصغيرة مثل المفاوضات بشأن المساعدات الإنسانية العابرة للحدود. ويُظهر واقع أن واشنطن تُشغل وقت الرئيس الأميركي بضغوط حول معبر حدودي واحد أن ميزان القوى في سورية قد تحوّل إلى حدّ كبير نحو مسار مواتٍ لروسيا.

*آنا بورشفسكايا: زميلة “آيرا وينر” في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. ليستر غراو: مدير الأبحاث في “مكتب الدراسات العسكرية الأجنبية” في منشأة “فورت ليفنوورث” التابعة للجيش الأميركي بولاية كانساس. مايكل ماكفول: مدير “معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية” بجامعة ستانفورد، وسفير الولايات المتحدة السابق في روسيا. أعد هذا الملخص كالفين وايلدر.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock