السلايدر الرئيسيترجمات

مستقبل نفط العراق روسي

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فيرا ميرونوفا، ومحمد حسين* – (فورين بوليسي) 15/11/2019

مع الاحتجاجات المستمرة في العراق، والتي تثير قلق المستثمرين الآخرين، تستجمع موسكو الزخم وتمضي قُدماً نحو دخول سوق النفط العراقي. ولن يكون النفوذ الروسي على النفط في العراق -وسورية- ضربة اقتصادية للولايات المتحدة فحسب، بل هو ضربة سياسية لها أيضاً. فالنفط هو العملة الرئيسية في هذين البلدين. وبذلك، فإن من يسيطر عليه سيكون له أيضاً تأثير رئيسي على الجغرافيا السياسية في المنطقة.
* * *
على الرغم من الاحتجاجات المستمرة في بغداد، والتي شهدت رحيل العديد من الدبلوماسيين الأجانب عن البلد لدواعٍ أمنية، ضاعفت روسيا رهاناتها هناك. ولم تظل سفارتها مفتوحة فقط في الأسابيع الأخيرة من الاضطرابات، بل قام وزير خارجيتها، سيرجي لافروف، بزيارة إلى البلد الشهر الماضي، حيث قام أولاً بجولة في بغداد ثم في أربيل.
ولم تكن جولته مهمة دبلوماسية عادية. لم يتم التوقيع على أي اتفاقات رسمية؛ وبدت السياسة، وسورية والإرهاب، وكأنها مسائل جانبية؛ وكان حضور الدبلوماسيين قليلاً في أحداث ذلك الأسبوع. وفي الواقع، كان غالبية المشاركين في الفعاليات من رجال الأعمال، بما في ذلك ممثلين عن شركات النفط والغاز الروسية مثل “غازبروم نيفت”؛ و”روزنيفت؛ و”سويوننفتغاز”؛ و”لوك-أويل”. كما حضر اللقاءات ممثلو “تكنوبروميإكسبورت”، وهي شركة روسية تقوم ببناء منشآت للطاقة، وتنتمي إلى الجهاز الفيدرالي الروسي للتعاون التقني العسكري. وكما أخبرنا مصدر تربطه علاقات برئيس الوزراء العراقي، والذي طلب عدم الكشف عن هويته هذا الشهر، فقد “تمت مناقشة العلاقات التجارية الثنائية فقط في الاجتماعات. أراد الروس التأكد من أن كل شيء يسير بسلاسة فيما يتعلق بمشاريع شركات الطاقة الروسية في العراق”. ووافق على ذلك مصدر آخر له صلات بحكومة إقليم كردستان في أربيل.
لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن يتركز اهتمام روسيا بالبلد بعد استثمار أكثر من 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة العراقي على مدى السنوات التسع الماضية، على المشاغل التجارية في أغلبه.
كانت الشركات الروسية ممثلة مسبقاً وبشكل جيد بين شركات النفط التي تعمل في العراق. ونظراً للطبيعة بعيدة المدى لعقود النفط والغاز، فإن حصة السوق الروسية من النفط العراقي سوف تتزايد مع مرور الوقت فحسب. وعلى سبيل المثال، في العام 2009، فازت شركة “لوك-أويل” الروسية بأحد عقود النفط الأولى في عراق ما بعد الحرب لمشروع تطوير “القرنة الغربية- 2” في البصرة. ومن المقرر أن يستمر المشروع لمدة 25 عاماً، وبهدف تحقيق إنتاج 800.000 برميل يومياً بحلول نهاية العام 2024. واليوم، ينتج هذا الحقل ما يبلغ معدله نحو 400.000 برميل يومياً فقط، لكن هذا الإنتاج يشكل فعلياً 9 في المائة من إجمالي إنتاج العراق من النفط الخام، و12 في المائة من صادرات النفط العراقية.
تشمل الصفقات الأخرى منذ العام 2011 استثمارات بقيمة 2.5 مليار دولار لشركة “غازبروم” وشركائها في وسط العراق وإقليم كردستان وحدهما. وقد أنتجت شركة غازبروم 3 ملايين برميل من حقول سرقلة في إقليم كردستان، على سبيل المثال، وأطلقت العديد من مشاريع التنقيب في حقول حلبجة وشاكال. وفي الوقت نفسه، فازت شركة “سترويترانسغاز” الروسية في أيلول (سبتمبر) الماضي، بعقد مدته 34 عاماً للتنقيب عن النفط والغاز في محافظة الأنبار العراقية، وهو اتفاق شكر لافروف العراق عليه بشكل خاص خلال زيارته، وفقاً لمصدر في مكتب رئيس الوزراء العراقي.
ولا يقتصر اهتمام روسيا على حقول النفط نفسها. تملك شركة “روزنفت” نحو 60 في المائة من خط أنابيب نفط كردستان، وهو خط التصدير التشغيلي الرئيسي في العراق. وفي ربيع العام 2018، أعلنت “روزنفت” أيضاً عن توقيع اتفاقية مع وزارة الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان لتطوير بنيتها التحتية للنفط والغاز، بما في ذلك إنشاء خط أنابيب جديد للغاز، والذي من المتوقع أن تصل طاقته التصديرية إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. ويصل هذا إلى حوالي 6 في المائة من إجمالي الطلب على الغاز في أوروبا. ووفقاً لسياسي عراقي، والذي تحدث إلينا بشرط عدم الكشف عن هويته في تشرين الثاني (نوفمبر)، فإنه “بموجب هذه الصفقة، حصلت روسيا على الكثير من النفوذ السياسي في العراق. ويمثل النفط حوالي 96 في المائة من صادرات العراق، ولكن، من دون وجود خط أنابيب لتصديره، لن تكون للنفط أي قيمة بالنسبة للبلد. ولذلك، أصبحت روسيا تسيطر الآن بشكل أساسي على هذا التصدير”.
لم تكن روسيا دائماً منخرطة في قطاع النفط والغاز العراقي. بعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 وبعد احتلال العراق، كانت الشركات الروسية غائبة إلى حد كبير عن المشهد. لكن هذا كله تغير مع تصاعد الصراع الطائفي في العام 2009. في ذلك الوقت، غادرت العديد من شركات النفط الغربية (مثل إكسون موبيل وشيفرون) المنطقة -جزئياً أو كلياً- بسبب المخاوف الأمنية. لكن الشركات الروسية، المتعطشة للمخاطرة، أخذت مكانها.
لقي دخول روسيا الكثير من الترحيب في العراق. وكما أخبرنا أحد قادة حكومة إقليم كردستان هذا الشهر، فإنه “قبل وقت طويل من الأزمة السياسية والأمنية الأخيرة، في أوائل العام 2012، دخل الروس كردستان العراق كمستثمر دولي قوي. وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك حاجة إلى الروس لأنه كان للأميركيين وجود قوي ودعم في المنطقة. ولكن، في وقت لاحق، عندما شعر القادة الأكراد بخيبة أمل من الأميركيين، بدا لهم الروس أقوى وأكثر ودية. وكان الاعتقاد السائد في كردستان أن إبرام صفقة تجارية معهم سيؤدي أيضاً إلى جلب فوائد، سياسية وأمنية أخرى”.
حتى العقوبات الأميركية لا يبدو أنها تزعج الروس أو العراقيين. ومن المعروف أن بعض الشركات التي تقوم بتطوير النفط العراقي، بما فيها “غازبروم” و”روزنفت”، مدرجة في قوائم العقوبات الأميركية بسبب ارتباطها بضم شبه جزيرة القرم ومشاركة روسيا في النزاع في شرق أوكرانيا. لكن المسؤولين العراقيين ليسوا قلقين بهذا الشأن بشكل خاص. وقال أحدهم في تشرين الثاني (نوفمبر): “منذ فترة طويلة الآن، يعمل العراق مع شركات روسية تخضع لعقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، وحتى الآن لم تؤد هذه الصفقات إلى أي ردود فعل قوية من قبل الإدارة الأميركية. لذلك نحن لا نعتبرها مشكلة”.
قد يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الادعاء بأن الولايات المتحدة ما تزال لديها يد في قطاع النفط في المنطقة. وفي تغريدة حديثة عن سورية، على سبيل المثال، كتب ترامب: “حقول النفط التي نوقشت في خطابي حول تركيا/الأكراد أمس كانت تحت سيطرة “داعش” إلى أن استولت عليها الولايات المتحدة بمساعدة الأكراد. لن نسمح أبداً لـ”داعش” معاد التشكيل بأخذ هذه الحقول”! وفي اجتماع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لاحظ ترامب: “نحن نحتفظ بالنفط. لدينا النفط”. وفيما يتعلق بالعراق، أعرب الرئيس عن أسفه لحقيقة أن الولايات المتحدة لم تسيطر على احتياطيات البلد بعد حرب العراق. وقد يكون صحيحاً أن حقول المنطقة لن تخضع أبداً لسيطرة “داعش” مرة أخرى، لكن من غير المحتمل أن تلعب الولايات المتحدة الدور الأكبر بشأنها، أيضاً. بدلاً من ذلك، ستكون روسيا هي المسؤولة على الأرض. وقريباً، حتى الدولار قد لا يكون له مكان في هذه التجارة: كان العراق وروسيا يناقشان ما إذا كانت المدفوعات ستكون بالروبل أو الدينار بدلاً من الدولار لتجنب أي تفاعل مع النظام الأميركي.
لن يكون النفوذ الروسي على النفط في العراق وسورية ضربة اقتصادية على المدى الطويل للولايات المتحدة فحسب، بل هو ضربة سياسية لها أيضاً. فالنفط هو العملة الرئيسية في هذين البلدين. وبذلك، ستكون لمن يسيطر عليه نفوذ رئيسي على الجغرافيا السياسية في المنطقة.

*فيرا ميرونوفا: زميلة زائرة بجامعة هارفارد. محمد حسين: هو مدير السياسات في المركز العراقي لتحليل السياسات والبحوث.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Future of Iraq’s Oil Is Russian

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock