هناك وجهة نظر تقول إنّ الحل الوحيد لأزمتنا الاقتصادية البنيوية، يتمثل في جذب الاستثمار الخارجي (لأنّ الداخلي لن يحل المشكلة). وبالنظر إلى الظروف السياسية الإقليمية، والقدرة الاستيعابية للاقتصاد الأردني، فإنه لا يوجد ما يشجّع المستثمرين، ولذلك فإن الحل الوحيد يتمثل في الصناديق السيادية الخليجية، وهي التي ترتبط بقرار سياسي. وهذا القرار منوط بسؤال مهم: كيف نبيع الأردن إلى هذه الدول، ونقنعها بفتح هذه النافورة الاستثمارية المهمة؟
وجهة نظر أخرى تربط الأزمة بالاختلالات الداخلية الكبيرة؛ سواء على صعيد سوق العمل، أو مخرجات التعليم، أو السياسة الرعوية للدولة وتضخّم النفقات الجارية. والبعض يصرّ على ضعف التشريعات والمؤسسات الاستثمارية وتعقيداتها، مقارنةً بالتجارب الناجحة، مثلما هي الحال في دبي.
بعيداً عن وجاهة كل رؤية مطروحة، فإن من الضروري اليوم أن نفكّر في الوضع الاقتصادي “خارج الصندوق”، وأن نتجاوز منطق رفع العتب والارتجالية الحكومية في التعامل مع تحدي التنمية الاقتصادية الوجودي (بالنسبة لمستقبل الأردن والمنطقة بصورة عامة)؛ فنعترف بأنّ هناك “Home Work” (واجبات داخلية) غير منجزة، ما يجعلنا متخّبطين في تعريف هويتنا الاقتصادية، وتحديد الشروط والروافع الحقيقية المطلوبة في التفكير للمستقبل، مع عدم توافر الإرادة الحكومية الحقيقية للمبادرة إلى إنجاز حلول ثورية حقيقية إنقاذية.
ومع أهمية الاعتماد على الاستثمار الخارجي، وحتى الصناديق السيادية الشقيقة، فإنّني ما أزال أراهن على أنّنا يمكن بالفعل أن نخلق الإنجاز الأردني الحقيقي عبر ترتيب البيت الداخلي. وإذا كان الله وهب الأشقاء العرب نعمة النفط، فإنه وهبنا نعماً أعظم منه بكثير؛ أولاً العقول البشرية المبدعة، وثانياً الموارد الطبيعية الهائلة التي تتمثّل في الجانب السياحي، وثالثاً الموقع الجغرافي الذي يمكن استثماره بصورة جيدة لاستدراج إما الاستثمار المطلوب أو الدعم الخليجي، لكن بوصفه قضية ثانوية وليست أساسية.
المهمة الأولى أمامنا اليوم تتمثّل في تغيير مفهومنا عن الأردن، لدى القيادات الإدارية والسياسية، التي تعتبر الإنجاز المهم والميزة الأردنية في عدم الوقوع في الفوضى وعدم الاستقرار، كباقي الدول في المنطقة. فليست هذه هي المعجزة الأردنية التي نفتخر بها، بل المعجزة الحقيقية أن نقدّم نموذجاً حقيقياً لدولة ناجحة وإدارة جريئة مبادرة اقتصادياً وسياسياً، وأن ننجح في تغيير مفهوم الأردن من دولة صغيرة محدودة الموارد، إلى دولة كبيرة ديمغرافياً، قوية أمنياً، وناجحة اقتصادياً وسياسياً.
هل هذا الأمر ممكن أم حلم؟ أزعم أنّه ممكن جداً، إذا طوّرنا رؤيتنا لأنفسنا ودورنا، وإذا تجاوز السياسيون الطريقة البدائية الحالية في الإدارة، ونظروا إلى المستقبل ليكون العنوان كيف نعتمد على أنفسنا؛ وكيف نعيد هيكلة سوق العمل ونؤهل العمالة الوطنية في مجال السياحة والخدمات والصناعة؛ وكيف نجذب ونوظف الاستثمار الداخلي أولاً، ثم الخارجي؛ وكيف نقدم الأردن خارجياً بوصفه قبلة السياحة المتعددة؛ وكيف نطوّر رسالتنا الإعلامية والسياسية؛ وكيف نطوّر التعليم ليتجاوب مع هذه التحديات؟..
الحوكمة ودولة القانون والشفافية والمساءلة، وإضعاف التعقيدات البيروقراطية، وتطوير كفاءة الجهاز الاستثماري، وتطويع التشريعات، هي شروط أساسية لجذب الاستثمار. وهذا يخلق تزاوجاً بنيوياً بين الإصلاح الاقتصادي والإداري لا غنى عنه!
فلسفة بعض المسؤولين لدينا التي تقوم على مبدأ “مستورة والحمد لله” مقارنةً بغيرنا، هي فلسفة بائسة منطوية على الذات، لا تصلح للنظر إلى المستقبل. وإذا أردنا أن نتقدم، فلا بد من أن ننتقد أنفسنا ونضع رؤى ثورية للاقتصاد. وهو ما يحتاج حكومات مبدعة خلاّقة؛ فلسنا أقل من دول كانت في ذيل الركب العالمي اقتصادياً وتنموياً، لكنّها بفضل الإرادة السياسية والإدارة الحكومية والجرأة في الرؤية، أصبحت اليوم في عداد العالم الأول اقتصادياً، مثل ماليزيا، وتركيا، وسنغافورة، والصين، وبولندا، ودول في أميركا الجنوبية!

تعليق واحد

  1. "راس المال يخدم راس المال"
    د محمد بنظرة اعمق لابد من الإقرار ان المنظومة الإقتصادية العالمية وتوجهها هي التي ترسم خارطة الطريق مما يجبر من يتضلّل بقروض مؤسساتهم وحتى الكثير من الدول ذات الموارد"ان يخوض غمار مسمياتهم"مكره اخاك لابطل" وان يدخل الحلبة الغير متكافئة من حيث الأوزان" وزن الديك مع وزن الفيل" ولامناص له ان لم يدخل يداس بقدمي الفيل وان دخل وحفاظا على وجوده بتعربش بقدميه وهكذا دواليك "حتى يقضي الله امر كان مفعولا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock