أفكار ومواقفرأي في حياتنا

مسلسلات تعبث بالقيم والعقول

لم يعد غريبا أن نرى طفلا صغيرا يجلس ساعات أمام التلفاز يتابع مسلسلات رمضانية بمختلف أشكالها وأنواعها، تستحوذ على كل اهتمامه وعواطفه وتتحكم بسير مشاعره وتطوره الذهني.
المخيف بهذا الأمر، حينما يصبح هذا الطفل ذاته ميالا بصورة تلقائية للتعاطف مع أدوار الشر وإيجاد مبررات عديدة للخيانة ولكل ما يتجاوز الأخلاق والقيم التي تربى عليها، وما لا يتناسب أبدا مع عقله وبراءته والسلوكيات التي من المفترض أن تنظم مجرى حياته.
في الموسم الرمضاني الحالي، كما الذي سبقه، لم تخلُ المسلسلات من تناول قصص “بياعة” وتجد سوقا رائجا لها لدى المشاهدين، تتحدث عن الخيانة بأشكالها والعنف والقتل وعالم الجريمة وكل ما يتناول التفكك الأسري، ومشاهد غير لائقة وألفاظ مؤذية وخادشة.
مسلسلات تجاوزت أغلبها الخطوط الحمراء، لا بل أصبحت الشغل الشاغل لعائلات تتفنن بمناقشة كل مشهد بعينه، وتحليله وتقييمه، مع وضع تبريرات لا تنتهي لكل ما هو خاطئ والدفاع عنه وتفسيره بعدة اتجاهات.
لم يعد هدف تلك الأعمال توصيل رسالة إيجابية كما عهدناها منذ سنوات مضت بمسلسلات تركت أثرا كبيرا وبقيت حاضرة بالذاكرة حتى الآن، بل أصبحت تتغلغل بعقل المشاهد ليتشرب أفكارها المخيفة، لا بل ويقتنع بها ويجد لها ألف تبرير وتبرير، وأن كل ما كان من المحرمات أصبح ممكنا وله أسبابه ودوافعه!
ليس الأطفال فقط بل الكبار، تأثروا بشكل مخيف بما يعرض على الشاشات، رغم تبعاته السلبية وخطورته الشديدة على الوعي مع ثقافة جديدة “تغزو” أفكارنا بشكل مباشر وغير مباشر، لترسم تصرفات وتبرر أخطاء لم نكن نتصورها يوما.
الكارثة الكبيرة، تكمن بقدرة مخرجي وكاتبي هذه الأعمال العربية على العبث بعقول الكثير من المشاهدين، وتصوير المظلوم بشكل غير الذي عهدناه، وأن ما تعرض له في حياته يبيح له فعل أي شيء وانتهاك كل ما يقع أمام عينه، فيحق له السرقة والخيانة والقتل والعنف بأشكاله وإهانة والديه، وربما نبرر للظالم ظلمه.. وللقاتل جريمته.. وللخائن خيانته.. وللعاق عقوقه.. وهكذا لتنقلب كل الموازين.
كنا ننتقد سابقا مسلسلات تركية انتشرت في بيوتنا وغيرت من طريقة تفكيرنا وتعاطينا مع الأشياء، أثرت على تفاصيل حياتنا، كنا نخشى كثيرا من تعلق أبنائنا بها. لكن لا ننكر أن المسلسلات العربية تفوقت وبشدة، بل وتجاوزت كل الخطوط، وبتنا “نتحسر” على ما كان يرتقي بعقولنا ويقدم رسالة مؤثرة تتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فإن تجاوزنا كل هذه الرسائل “السامة” الموجهة لنا، سنصطدم بأشياء أخرى رسختها هذه الأعمال، إذ “تشوشت” عقول الفتيات عبر مشاهد الحب والرومانسية والبذخ والترف والحياة المثالية وكأننا نعيش على كوكب آخر، منفصل تماما عن الواقع، ولم يعد باستطاعتهن القبول بما كان لديهن، بل تمردن عليه. ذوات “الحظ الناقص” كما يسمين أنفسهن؛ افتقدن قيمة أساسية وهي “الرضا”، وأصبحن أسيرات لـ “حب” جديد لا يتوفر إلا خلف الشاشات!
من الصعب بهذا العصر إبعاد الصغار عن مشاهدة ما “يدمنه” الكبار، وللأسف أصبحت كل العائلة تجتمع بانتظار عرض حلقة من مسلسل تحلل مما كنا نعتبره يوما “عيبا” ولا يجوز الحديث به، بل أصبحنا مع الوقت نتعاطف ونقدم تبريرات واهية، بأن الزمن تغير وما كان محظورا أصبح ممكنا!
هذا ما فعلته بنا “الدراما العربية” التي تتفنن باقتباس أعمال غريبة عنا، تعكس صورها “الجريئة” على مجتمعاتنا العربية.. فهل افتقدنا لحكايات كانت تحمل رسائل عميقة تؤثر بنا ايجابيا.. أم أصبح “الإسفاف” وعدم مراعاة الأخلاق والذوق العام “ميزة” مسلسلات الشهر الفضيل!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock