أفكار ومواقف

مسلمون بالوسائل ومسلمون بالأهداف

يمكن تقسيم المسلمين في العالم إلى أنواع كثيرة. فهم مذهبياً -إجمالاً- شيعة وسنة. وهم سياسياً مسلمون لا يسيسون الدين ولا يفكرون بدولة إسلامية، وإسلاميون مسيسون يسعون لإقامة هذه الدولة. وهم في العلاقة مع الآخر معتدلون أو متسامحون(؟) أو متطرفون إرهابيون… وهكذا. وهم بالتقسيم الجديد الذي نقترحه، مسلمون بالوسائل أو مسلمون بالأهداف.
يركز المسلمون بالوسائل، في الأغلب، على العبادات ويعتبرونها جوهر الدين ويكتفون بها. ويرون في المواظبة عليها إعفاء لهم من أهداف الدين أو رسالته أو قيمه؛ كالسماحة، والصدق، والنزاهة، والصبر، والعفة، والرحمة، والعدل، والوئام، والسلام… يركزون على الوسائل لأنها قابلة للقياس، ولأنهم بها في كل دين يعلنون هويتهم.
إنهم يزنون الناس وبعضهم بعضاً بالوسائل، وكأن الوسائل منفصلة تماماً عن الأهداف. فالصلاة -مثلاً- يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولكن كثيراً منهم بها لا ينتهون فيصفّون سياراتهم في صلاة الجمعة عكس السير أو في وسط الشارع. إن كثيراً منهم يعود إلى ما كان عليه من سلوك بعد تأدية الوسيلة، وكأن تأديتها عند كثير منهم تبيح الفساد والانحراف أو تغطي عليهما.
لقد حذر الرئيس المصري المؤقت السيد عدلي منصور من الانفلات أو الانهيار الأخلاقي في مصر، على الرّغم من الصحوة الدينية القوية في البلاد، ومن وجود الجامع الأزهر ومدارسه الدينية، وعشرات آلاف الجوامع فيها التي لا تمنعه. وينسب رجال الدين هذا الانفلات أو الانهيار إلى غياب الوازع الديني، وهو عندهم يكون بحضور الوسائل. ولكنهم لا يفسرون حضور تلك القيم والالتزام بها في الغرب، وبخاصة في أوروبا، حيث يُفترض أن الوازع الديني صفر في المائة.
إن الصحوات الدينية الكبرى في العالم هي صحوات وسائل لا صحوات أهداف، وهي لهذا تفشل في التنمية والتطوير. هكذا حدث في الصحوة الدينية الأوروبية في العصور الوسطى، وفي الصحوة الدينية الكبرى في أميركا في النصف الأول من القرن الثامن عشر.
إن الصراع الديني، بجميع أشكاله وصوره، هو في نهاية المطاف أو التحليل صراع على الوسائل لا الأهداف؛ فالأهداف أو القيم في جميع الأديان واحدة؛ سواء كانت سماوية أم أرضية، موحدة أم وثنية، فلم نعرف عن دين أنه دعا إلى الفساد أو الانحراف أو الغش أو الكذب.
أما المسلمون بالأهداف -وهم قلة قليلة جداً- فيركزون على القيم أو على رسالة الدين، ويلتزمون في معاملاتهم بها؛ فالدين معاملة. وعلى هذا فهم قد يُتهمون (بضم الياء) بقلة الدين أو بضعفه، أو حتى بالكفر أو الإلحاد لأنهم أقل تمسكاً بالوسائل. في أوروبا، ونتيجة عصر التنوير الذي تلا عصر النهضة، تم الانتقال من التركيز على الوسائل الذي كان سائداً في العصور الوسطى، إلى التركيز على الأهداف أو القيم السائدة اليوم فيها، لدرجة أن فقيهاً إسلامياً لعله محمد عبده (1840-1905) قال عندما عاد من باريس: “رأيت الإسلام هناك ولم أر المسلمين”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock