آخر الأخبار حياتناحياتنا

مسنون يستذكرون قصصا من موسم حصاد “الذهب الأصفر”

أحمد الشوابكة

مادبا– يشكل موسم حصاد القمح والشعير لدى المزارعين في محافظة مادبا، عرسا اجتماعيا وبارقة أمل بإنتاج وفير من “الذهب الأصفر”، اكتسب لونه من انعكاس أشعة الشمس على مساحات زراعة القمح والشعير التي تحمل معها بشائر الخير والعطاء، فقديما كان يبدأ موسم حصاد القمح مع بداية كل صيف أوائل حزيران، وتتم المشاركة والمساعدة من الأقارب والجيران في جني المحصول.

ومن الأدوات المستخدمة في الحصاد (المنجل)، وهي أداة حادة تشبه القوس تساعد المزارع في قطع السنابل، إذ إن هنالك بعض البيوت يعلق فيها كمنظر تراثي في زاوية من زوايا البيت، حيث تم توارث هذا العمل من الآباء والأجداد، وأيضا هناك (الشاعوب)، وهي أداة تفصل حبوب القمح عن باقي أجزاء السنبلة، ويتم نثرها في الهواء، وفق الثمانيني الحاج أبو علي الشوابكة.

ويضيف أبو علي مستعيدا ذكرياته عن تلك الأيام، بالرغم من ذلك التغيير، ما يزال موسم حصاد القمح يحمل شيئاً جميلاً من طقوسه القديمة التي تغيرت ‏في زمن الآلات والحصادات الحديثة التي حلت مكان المناجل اليدوية، إذ يتعاون كل أفراد ‏الأسرة كل حسب استطاعته، فالنسوة ينشغلن في تعبئة الأكياس بالقمح وبعضهن بخياطة ‏الأكياس بالمسلات، لتكون جاهزة في حين يقوم الرجال ‏بلملمة أكياس التبن من خلف الحصادات التي ترميها معبأة جاهزة للتحميل في الآليات ‏والجرارات وسط فرحة تعلو وجوههم بما جادت عليهم الحقول بإنتاجها الوفير.

ويعتبر موسم الحصاد من أجمل المواسم، حيث الترانيم والأغاني، وثم يعبأ هذا الناتج (المحصول) في شوالات لتخبئ كمونة شتوية، وفقا للحاجة أم علي التي تستذكر أجزاء مهمة من موسم الحصاد في الماضي عندما يبدأ الحصادون بالغناء والرد على بعضهم البعض، مشيرة إلى أنه في أوائل الصيف وعندما يصفر الشعير والقمح، حيث يبدأ الحصاد وتجمع العائلة من الفجر الأول بالذهاب إلى المساحات الزراعية وحصاد سنابل القمح والشعير بالأيدي، وجمعهما في غمار ثم جمع الغمار في حلة، وجمع الحلل في بيدر لدرسه، حيث تقوم العائلة والجيران أحيانا بالفزعة لبعض في الحصيدة، ويكون حصاد الشعير قبل حصاد القمح وكل منها في بيدر مستقل ولا يستخدم في منطقتنا المنجل، لأن الزرع يكون قصيرا وتستخدم الأيدي فقط، وجمع ذلك المحصول في شوالات من القمح والشعير وبيع بعضه وتخزين البعض الآخر من أجل المونة والزراعة للسنة المقبلة، وينتهي موسم الحصاد في نهاية شهر تموز بالعادة وقليل من ينتظر لبعد ذلك.

وتغنى الأغاني بالهجيني الغناء السائد في تلك الفترة الزمنية ومن هذه الأغاني:
منجلي يا منجلا.. راح للصايغ جلاه
ما جلاه الا بعلبة.. ريت العلبة فداه (عزاه)
منجلي يا ابو الخداخش.. منجلي بالقش طافش
يا ريت الشول ما بان.. ولما تخلق ولا كان
(وفي مقولة للغمار):
* عقب الحصيدة غمارة يا عيشت العزارة.

ويعيد الحاج أبو علي التأكيد بأهمية “البيدر” هو المكان المخصص لجمع المحاصيل الزراعية من أجل درسها ونزع الحبوب منها قبل تخزينها. وعند اختيار موقع البيادر يفترض أن تكون بشكل عام في أماكن مفتوحة للهواء، من أجل تسهيل أعمال التذرية. كما يجب ألا تكون بعيدة عن مساكن القرية، ليتيسر للفلاح سرعة الوصول إلى البيت لقضاء الحاجات، ولتسهيل عملية احضار الأكل والماء.

ويقول، عند الانتهاء من عملية النقل إلى البيدر ينشل السنابل بالشواعيب من الحلة وفرشها بدائرة على أرض البيدر(الجرن)، وسميت الطرحة، لتدوسها أولا بإقدامها الحيوانات (البغال والخيل) لتحضيرها لدرسها بالنورج (النورج- لوح خشبي مصنوع من خشب البلوط يحتوي على مجموعة من الحصى ملتصقة تحته)، والذي كان يديره عامل لمنع انحراف الدابة التي تجر النورس عن مسارها، بينما كان شخص آخر يقوم بتقليب الطرحة باستمرار لتقليل لزوجتها وتسهيل عملية فصل البذور.

ويشير بأنه عند الانتهاء من عملية الدراسة، تصبح الطرحة خليطاً من الحبوب والتبن والقصل (عيدان القمح والسبل الثخينة)، مخلوطة ببقايا الحصى والتراب والأشواك، التي تكون قد علقت بها من أرض البيدر، وهنا تأتي عملية التذرية لفصل الحبوب عن هذه الشوائب والعوالق. وكان التحضير للتذرية يبدأ بتكويم الدريس في الطرف الغربي، من البيدر لضمان تساقط الحبوب والتبن والفصل على أرض البيدر.

ويرى أستاذ الإعلام في جامعة البترا الأردنية الزميل زياد محمود الشخانبة، أهمية توثيق الإرث الإنساني وأدواته، وبخاصة ما يخص المواسم الموروث الشعبي، كموسم الحصاد الذي يشكل نقطة بارزة وحيوية في توفير مستلزمات الحياة من قوت ومونة لأفراد الأسرة، داعياً إلى إقامة متحف خاص يحاكي موسم الأعراس “الحصاد”، وذلك من خلال فيلم قصير يحكي تلك القصص الشعبية، كرسالة موجهة إلى الجيل الحالي بالتمسك بهذا الإرث الذي أنشئ مع إنشاء الدولة، حتى أضحى جزءا مرتبطا بإرثها ومقوماتها الأساسية.

ويؤكد الشخانية على أهمية التركيز في عام على أهمية إحياء إرث الحصاد في موسمه السنوي والحفاظ على إعادة الألق إلى أغنياته وأدواته التراثية كـ “المنجل” و”الحاشوش” و”المذراة” و”الغربال” وغيرها، معتبراً ذلك بمثابة رسالة موجهة إلى وزارة الثقافة بتخصيص مهرجان يعنى بالإرث الاجتماعي المتمثل بالحصاد والعرس، كجزء من الثقافة الأردنية الشعبية التي تربى عليها أجيال وأجيال.

اقرأ أيضاً:

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock