أفكار ومواقف

مسيرات المتعطلين ومؤتمر لندن

ازدادت مسيرات المتعطلين عن العمل التي يقودها شباب يعانون من ظروف اقتصادية صعبة تصل حد قهر الرجال، مع وقع استمرار تصاعد أرقام البطالة واستمرار مؤشرات الاقتصاد الوطني بالتباطؤ في النمو وتراجع الاستثمار، هذه المسيرات التي بدأت من العقبة ويفترض انها من أكثر مناطق المملكة ازدهارا باتت تمتد إلى مختلف المحافظات والمدن وهي تأتي بالتزامن مع مؤتمر لندن للمانحين الدوليين المخصص هذا العام لدعم الأردن والمزمع عقده نهاية الشهر الحالي.
ربما تكون رسائل المتعطلين ومسيراتهم ابلغ من كل الرسائل الرسمية التي سيحملها الوفد الحكومي الى لندن بعد أيام، فهذه الرسائل تشير بشكل دقيق إلى الاثمان الاقتصادية والاجتماعية التي دفعها المجتمع الأردني نتيجة الازمات الاقليمية وحالة الطوارئ التاريخية جنبا الى جنب مع تقصير الحكومات المتعاقبة في بناء مقاربة وطنية جادة في الاعتماد على الذات والتخفيف من تأثيرات الحالة الاقليمية.
يذهب الأردن الرسمي بكومة كبيرة من الملفات والأوراق إلى لندن، فقد اعدت جهات حكومية ورسمية نفسها هذه المرة جيدا لهذا الحدث، لكن الفعل على الأرض المتمثل في أوضاع فئات واسعة من المجتمع هو الابلغ وبات يشكل مصدر تهديد حقيقي للاستقرار المجتمعي وهذا ما يجب ان يسمعه المؤتمرون في لندن وغيرهم في الجوار، صحيح هناك فرضية تقول إن علينا ان نخلع اشواكنا بايدينا ونكف عن تحميل الاقليم والازمات المحيطة مشاكلنا الاقتصادية ولكن هذه الفرضية وان كانت صحيحة في بعض جوانبها الا انها في الحالة الراهنة وفي سنوات العقد الأخير تحديدا تتهاوى تماما.
ان تاريخ المديونية والبطالة في الأردن في اخر عقدين يرتبط بشكل واضح ومباشر مع تأثير الازمات الاقليمية التي اتت بسلسلة من الحصارات الاقتصادية التي مورست على الاردن بشكل مباشر وغير مباشر، في 2003 فقد الأردن شريكا اقتصاديا كبيرا بعد احتلال العراق حيث وصلت نسبة الدين العام الى اجمالي الناتج الاجمالي الوطني 98 %. اعتبارا من 2004 اخذ الاقتصاد الوطني بالتعافي وشهدت السنوات التالية تعافيا في معدلات الدين العام بالمقارنة مع الناتج الاجمالي الوطني حتى وصلت الى اقل من 40 % في بعض السنوات وانحدرت البطالة الى نحو 12 %، ومع عودة الاضطرابات الاقليمية في نهاية 2010 وبدايات العام التالي ووقف تدفق الغاز المصري مقابل تدفق مئات الآلاف من اللاجئين بدأت الخارطة بالتغير حيث وصلت المديونية في 2011 الى نحو 65 % ثم ارتفعت في 2014 الى نحو 80 % وفي 2016 85 % وصولا الى النسبة الحالية نحو 93 % من الناتج الاجمالي الوطنية.
وطوال تاريخ التحولات الاقتصادية القاسية في العقد الاخير بقيت الحكومات حرجة في الافصاح عن الارقام الحقيقية للفقر والبطالة حتى أعلنت العام الماضي عن مؤشرات صادمة للبطالة تجاوزت 18 % وفي بعض المحافظات تجاوزت 26 %. لقد تضاعف عدد سكان الأردن خلال اقل من 15 عاما وهذا ما لم يحدث في أي دولة اخرى في العالم خلال هذه الفترة، وتضاعف حجم المديونية نحو ثلاثة أضعاف فيما كانت الحدود في ثلاث جهات شبه مغلقة على السلع والخدمات.
مؤتمر لندن هو المؤتمر الثاني للمانحين الدوليين الأول كان مخصصا لموضوع اللاجئين السوريين ولدعم الاقتصاد اللبناني والأردني والتركي، اما المؤتمر الحالي فيخصص للاقتصاد الأردني ولا يعنى فقط بملف اللاجئين وخطط الاستجابة، بل بآليات تمكن الاقتصاد الأردني من التعافي والاستدامة، أي التحول من فكرة المعونة الى التمكين وهذا يتطلب أن تدرك الجهات الرسمية الوطنية والمانحين الدوليين ان تحقيق فكرتي التمكين والاستدامة تعني في الدرجة الأولى احداث تحولات اجتماعية – ثقافية في رؤية الأردنيين لمصادر الرزق وتغيير نوعية الحياة أي تمكين هذه المجتمعات من الانتاج وتعزيز قدراتها على التحول نحو الانتاج في بيئتها المحلية، هذه الرسالة التي يجب ان نفهمها من مسيرات الباحثين عن العمل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock