أفكار ومواقف

“مسيرة معلم متعلم”

د.نهلا عبدالقادر المومني

«مسيرة معلّم متعلّم»، كتاب يؤرخ لحياة امتدت عبر تفاصيل ومحطات مفصلية في حياة الأردن التعليمية والتربوية إن جاز التعبير، ووقفات أمام تاريخ يتيح للقارئ فرصة فكرية نادرة ليتتبع كيف كان الأردن وكيف نهض من خلال قامات فكرية وضعت الرسالة وآمنت بالهدف وحاربت وحوربت وصولًا إلى ما نشهده من تطور… الدكتور ذوقان عبيدات المفكر التربوي، المضيء دائما على مساحات لم يتجرأ أحد على إنارتها وتسليط الضوء عليها، كان كتابه مسيرة معلم متعلم التوثيق لمشاهد كثيرة في الحياة الأردنية وللعمل المهني ولدروس تستوجب التفكر مليًا.

في حضرة هذا الكتاب الذي من الصعب الإحاطة بتفاصيله في بضع كلمات؛ فالتجارب الإنسانية لا تختزل ضمن مساحات محدودة، فكيف هو الحال إذا ما كانت تجربةً حملت فكرًا ورسالة لنهضة تربوية شاملة في مجال التعليم. ولكن وفي ظلال هذه التجربة الفكرية وعبر صفحات هذا الكتاب أقف عند بعض الإضاءات وهي كثيرة:

أولًا: حَملُ الفكر والرسالة والإيمان بها والعمل والاجتهاد مهما كانت الظروف لا بدّ وأن يثمر عن معارف مبتكرة، تُحدث تغييرات فكرية ومجتمعية ومنهجية في أطر العمل. وهو أمر يتجسد في مسيرة الدكتور ذوقان عبيدات فعلًا وواقعًا ملموسًا؛ فالانتاج العلمي من كتب وغيرها اتسم بالغزارة والإثراء المعرفي والتطبيقي، وما يستدعي الوقوف مطولًا عند تلك المفاهيم الحديثة التي طرقها الدكتور عبيدات والتي كان الكثير منها من صناعته وابتكاره فقدمها في دول عربية عديدة وجدت القبول والإشادة والتأثير، منها على سبيل المثال لا الحصر؛ الإشراف المعرفي، الإشراف بالقبعات الست، الإشراف التأملي، الإشراف الرفاقي، مجتمعات التعلم، المختبرات الإشرافية.

ثانيًا: فكرة الحق والوقوف دفاعًا عن المبدأ ودفاعًا عن انتظام سير المرفق العام وحمايةً لحسن تطبيق القانون والالتزام به محطة مفصلية في حياة أيّ فرد، والتنازل عنها هو تنازل عن فكرة دولة المؤسسات ودولة الحق، وكلٌّ يملك أدوات التغيير طالما تعرض لأي نوع من أنواع التجاوز أو التعسف أو الظلم.

هذا الدرس المستفاد لقارئ محطات مسيرة الدكتور عبيدات والذي لم يقف مكتوف اليدين أمام ما تعرض له من إحالة تعسفية على التقاعد من منصبه كأمين عام وإنما اتخذ مسارًا قضائيًا كانت نتيجته أن أعلنت المحكمة في قراراها الآتي: «أنّ قرار الوزير بالتنسيب بإحالة المستدعي على التقاعد كان حافزه وجود خلافات شخصية مع المستدعي تتعلق بالعمل، قوامها إصرار المستدعي على عدم تجاوز النظام والقانون الأمر الذي يفصح بأن التنسيب كان ببواعث الانتقام وليس المصلحة العامة لذلك يكون القرار واجب الإلغاء…».

على صعيد آخر يثبت هذا القرار مجددا أن القضاء الأردني هو الضمانة الأسمى والأهم لحماية حقوق الأفراد، وأنّه دائمًا ما كان المنتصر لفكرة الحق والعدالة والساعي إلى تجذير مفردات دولة المؤسسات وسيادة القانون.

ثالثًا: يقول الدكتور عبيدات في الفصل المعنون من الكتاب بعد التقاعد، العمل الحقيقي الجاد: «خيل إليّ أنّ التقاعد بعد إحدى وأربعين سنة من العمل قد يكون نهاية، ولم أفكر بأنّه سيكون بداية لرحلة إنتاج حقيقي…».

مسيرةٌ حافلة كمسيرة الدكتور عبيدات تلغي الفكرة الذهنية المتجذرة بأن التقاعد من العمل هو نهاية الطريق، لتؤسس وتؤصل لفكرة الرسالة التي لا تتوقف تحت ظل أي مسميات وإنما تستمر باستمرار غايتها النبيلة والممتدة عبر الأجيال، لا بل إنّ مسارات جديدة تتهيأ لتضطلع بدور الحامل لهذه الرسالة، فكيف هو الحال اذا ما كانت الرسالة تتعلق بتعليم أجيال تعليمًا ينهض بالشخصية الإنسانية على المستويات كافة.

«مسيرة معلم متعلم»، كتاب يزخر بالتجارب الإنسانية والفكرية ويؤصل لمسيرة تاريخ التعليم وما واجهه ويواجهه من تحديات وأطر وقوالب ثابتة في الكثير من الأحيان، لقامة أردنية فكرية تميزت– وكما يشير الدكتور عبدالرؤوف الروابدة في تقديمه للكتاب– بأنها «طاقة عارمة، تحاول اختصار الزمن والقفز فوق ظروف الواقع… يرغب في الإنجاز بالأمس لا في الغد…».

المقال السابق للكاتبة

الحق في الحصول على المعلومات في يومه الدولي

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock