آخر الأخبار حياتناحياتنا

مشاركة المشاعر.. خرق للخصوصية أم دليل على عمق التقارب؟

ربى الرياحي

عمان- ليس أمرا عاديا، حينما يعتاد البعض على إخفاء مشاعرهم حتى عن أقرب الناس إليهم، فهم يفضلون العيش داخل “قوقعة” خاصة بهم، يخشون على أنفسهم من البوح والمصارحة والكشف عما يدور في دواخلهم من أحاسيس، إنما يرغبون أن تبقى سجينة لا يعرف بها أحد.
التحدث عن مشاعرهم لشركاء الحياة أو حتى للأصدقاء، يعتبر من وجهة نظرهم خرق للخصوصية وتدخل تدريجي عن خطوطهم الدفاعية التي لازمتهم منذ مرحلة الطفولة أو المراهقة.
هذه الشخصيات تحديدا، ترى أنها بذلك تحمي نفسها من كل ما قد يستخدم ضدها، تحاول أن تكون غامضة وكتومة، الأمر الذي يجعل الحياة معها متعبة فيها الكثير من الحيرة والقلق وحتى غياب التفاهم.
ولأن العلاقات في أساسها ترتكز على المشاركة في كل شيء ولا سيما المشاعر، فإن مقياس قرب الشخص من الآخر يكمن في مدى استعداده لكشف نفسه بكل شفافية ووضوح وإطلاع المقربين منه على خفايا شخصيته بدون خوف أو خجل.
وتجد الثلاثينية ريم صلاح حيرة كبيرة في التعامل مع زوجها رغم مرور تسع سنوات على ارتباطهما، فما تزال حتى اليوم تجهل الكثير عنه وتواجه معاناة حقيقية في فهم مشاعره التي يرفض دائما الإفصاح عنها والتحدث بصراحة عما يضايقه.
وتلفت إلى أن هذا الأمر بات يزعجها جدا ويشعرها بالتهميش والحزن، فلا تعرف ما الذي يحبه وما الذي يغضبه، رغم أنها تحاول باستمرار فتح مواضيع معه تمكنها من أن تتعمق أكثر في شخصيته، وتتعرف عليه عن قرب، لكن دون جدوى، ففي كل مرة تجابه بالصد والتعنت والإصرار أكثر على كتم مشاعره.
“أشعر بأني غريبة عنه لا شيء يجمعنا”.. هكذا تقول ريم، فصمت زوجها الدائم ومراهنته على أن تكتشف وحدها حالته، وما الذي يعيشه بالضبط، أمران أصبحا يهددان حياتهما الزوجية وخاصة أنها هي بطبيعتها تهتم بأن تشاركه كل شيء فهي معه كتاب مفتوح، وهو يبني الأسوار ليحمي نفسه من كل الناس حتى منها.
أما العشرينية نيرمين فهي أيضا تستنكر قرار صديقتها بالتحفظ على مشاعرها وعدم مشاركتها مع أقرب الناس إليها، فالكتمان هو السبب وراء خلافاتها مع صديقتها ورغم محاولاتها المستمرة في تغييرها، إلا أنها فشلت في أن تجعلها أكثر وضوحا قادرة على شرح ما تشعر به والتحدث عنه بكل شفافية فقط مع من ترتاح لهم ويعنون لها.
وتبين أنها تتعرض للوم من قبل صديقتها فهي تطالبها بأن تعرف سبب حزنها أو ضيقها دون حتى أن تتكلم، الأمر الذي أصبح يزعجها مؤخرا ويتعبها. نيرمين تدرك جيدا أن حرصها على الاستماع لمن تحب كفيل بأن يهدم كل الحواجز، وتجعل التقارب أكبر.
وبحسب قولها، “أحيانا تشغلنا الحياة عن بعضنا وتمنعنا الضغوطات من الانتباه لملامح أحبتنا”، وبالتالي قد نتهم بالتجاهل واللامبالاة لمجرد أننا لم نفهم في تلك اللحظة تحديدا مشاعرهم”.
إخفاء المشاعر وعدم التعبير عنها، وفق الأخصائي النفسي الدكتور يوسف مسلم؛ يعتمد على طبيعة الشخص، فهناك من لديهم القدرة الكافية على شرح ما يشعرون به وحتى مشاركته مع المقربين منهم، وهنالك من يرفضون ذلك.
ويشير إلى أن هناك عدة نقاط بإمكانها أن تلخص السبب وراء خوف البعض من البوح بمشاعرهم سواء كان ذلك لأصدقائهم أو لشركاء الحياة، وأول هذه النقاط هي الافتراضات الصامتة أي بمعنى أن يتوقع الصديق أو الزوج أو الزوجة من الطرف الآخر أن يقرأ مشاعره وحده بدون أي تلميح أو حتى إظهار حاجته لذلك. غير أن هنالك أشخاص يلمسون أن الطرف الآخر يشعر بالضيق والحزن، لكنهم مع ذلك يتجنبون سؤاله ليس لأنهم لا يهتمون بل قد يخشون من ردة فعل الآخر والتسبب بإحراجه اعتقادا منه أن في هذا السؤال خرق لخصوصيته.
لذلك، ينوه مسلم لضرورة أن يبدي الطرف المهموم أو الحزين الرغبة في التحدث عن مشاعره وحاجته للبوح والتنفيس ليكون بمقدور الطرف المقابل له محاورته بارتياح ودون خوف من إزعاجه، مبينا أن البعض يحرص على ابقاء نفسه بمعزل عن ألسنة الناس وتحليلاتهم وتساؤلاتهم المؤذية أحيانا، فحين هنالك من يفتقد القدرة على الوصول لحقيقة مشاعره وشرحها والتعبير عنها بوضوح كما هي.
هؤلاء تحديدا يجدون صعوبة كبيرة في مشاركة مشاعرهم مع أحبتهم ومنهم أيضا من لديهم ضعف في اكتشاف مشاعرهم الحقيقية فيلجأون للصراخ بدلا من الاعتراف بحزنهم أو قلقهم من أمر ما. ويلفت مسلم إلى أن بعض الناس قد يتوقعون الاهتمام من أشخاص هم بطبيعتهم لا يبالون بمن حولهم أو بالأحرى لا يجيدون الاهتمام بالآخر كما يجب، لذا على الشخص أن يكون لديه القدرة على الاحتواء والاستماع، وتفهم كل ما يمر به الآخر ليتمكن من التعبير عن نفسه بثقة أكبر والتطرق لأمور حساسة من الصعب أن يكشفها إلا أمام من يشعر بتقارب روحي ومعنوي معه.
وينوه مسلم أن الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في قراءة مشاعرهم هم أيضا غير قادرين على قراءة مشاعر الآخر وتفهمها والتفاعل معها. وبالمقابل هناك أيضا من يتمتع بذكاء يمكنه من أن يلمح حزن الآخر قبل أن ينطق بحرف واحد مثل هؤلاء لديهم إحساس عال واستعداد كامل للغوص في مكنونات الآخر إضافة إلى مهارة الاستماع الجيد وإجادة الاهتمام بأبسط الأمور.
المتخصص الاجتماعي الأسري مفيد سرحان يرى أن التعامل مع الآخرين فن، والانسان بحاجة الى هذا التعامل ولا يستطيع ان يعيش وحيدا، ومن الأمور التي تساهم في توطيد العلاقات مع الآخرين، تبادل المشاعر معهم وتحقيق الثقة والطمأنينة وإشعارهم بالقرب.
إلى ذلك، فإن تبادل المشاعر يساهم في الحصول على الرأي والمشورة، بينما الكبت قد يؤدي إلى آثار نفسية سلبية على الشخص، وقد تنعكس على صحة الإنسان.
والتعبير عن المشاعر، وفق سرحان، “لا يعني أن ننقل همومنا للآخرين، أو أن نضيف إليهم هموما جديدة”، بل هو مطلوب ايضا في حالة الفرح والارتياح والتعبير عن الود والمحبة والتقدير.
وفي حالة المشاعر السلبية، فإنه من المهم اختيار الوقت المناسب والأسلوب الأمثل، بحيث نراعي نفسية الآخرين وظروفهم، و”ألا نكون سببا في ازعاجهم او توتير العلاقات معهم”.
ويضيف سرحان بأن الانسان كائن بشري تشكل الأحاسيس والمشاعر والعواطف جزءا مهما من تكوينه، فهو ليس آلة او ماكنة، ويجب ان يكون قادرا على معرفة من يتعامل معه باستمرار سواء الاصدقاء او اهل البيت، لأن التعامل مع هؤلاء دائم ومستمر فهو يتأثر بهم وهم يؤثرون عليه.
ويبقى، تبادل المشاعر حاجة إنسانية لا يمكن الاستغناء عنها، شريطة ألا يسبب الأذى للآخرين، والمشاعر كما يقال “معدية” فانت تستطيع التأثير في مشاعر الآخرين عن طريق المشاركة بها، وبالتالي تقريب الارواح من بعضها البعض، فيما عدم مشاركة المشاعر قد يكون سببه ضعف الثقة بالآخر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock