سلامة الدرعاوي

ليست كُلّ مشاريع الخصخصة درّت ذهباً على مستثمريها، فبعضها لم يحالفه الحظ ممن اشترى اسهمها، والبعض الآخر عانى الأمرّين ولحقت به خسائر فادحة وندم أشد الندم على استثماره في ذلك القطاع او المشروع.
فمشروع المطار يعتبر احد أبرز المشاريع التي تم خصخصتها، وهو بحق نقلة نوعية في إدارة المشاريع واستخدامها، فبعد أن كان للأردن مطار صغير بخدمات محدودة وكلف سنوية تناهز الـ18 مليون دينار تتحملها الخزينة سنويّاً للإنفاق عليه، طرح عطاء خصخصته على نظام (BOT) البناء والتشغيل ونقل الملكية، وفاز به ائتلاف عالميّ بشراكات محلية، عمل على بناء مطار عالمي جديد بأحدث المواصفات، وبكلف تقترب من المليار دولار لم تتحمل الخزينة فلساً واحداً منها، وبات لدى المملكة مطاراً من أفضل مطارات الشرق الأوسط، ويحتل المرتبة 29 عالميا، والأهم من ذلك كله ان يدرّ سنويّاً على الخزينة التي تحصل على أكثر من 54 % من مجمل إيراداتها وبمبلغ سنوي يقترب من الـ230 مليون دينار بعد أن كان مكلفا على الخزينة بأكثر من 18 مليون دينار سنويّاً، وتعود إدارة المطار كاملة للحكومة بعد مضي 25عاما على اتفاقية الخصخصة التي مضى منها لغاية الآن 13عاما، فهل يوجد مشروع مجد مثل هذا المشروع الذي فعلاً تعتبر خصخصته درسا في إعداد المشاريع الناجحة والمفيدة للبلد والتي شكّلت دعما جديداً للاقتصاد الوطنيّ.
الأمر مشابه لمشاريع استراتيجية تم خصخصتها وكان لها قيمة مضافة عالية على الاقتصاد من حيث التشغيل والاستثمار والمردود على الخزينة، كما هو الحال في مشاريع خصخصة ميناء الحاويات الذي فاز بإدارته هو الآخر ائتلاف عالمي دنماركي، إضافة لخصخصة سلطة المياه وشركات البوتاس التي كان للشريك الكندي دور رئيسي في تطوير أعمال الشركة الإنتاجية على كافة المستويات.
هذه المشاريع أعدت وثائق عطائها بكل شفافية، واتبعت اعلى درجات الحاكمية في طرحها، وهو الأمر الذي انعكس إيجابا على طرفي الخصخصة، البائع والمشتري في آن واحد، وباتت مشاريع يضرب لها البنان في النموّ والأرباح والتشغيل والاستثمار، وقد لا يحالف الحظ هذه المشاريع او انها طرحت في أوقات تفتقد للإدارات الحصيفة والرشيدة التي جعلت من هذه المشاريع الكبرى حقيقة، وباتت رموزا اقتصادية مهمة في المشهد الاقتصاديّ للمملكة.
لكن بالمقابل هناك مشاريع خصخصة لو عاد الزمن لمستثمريها، فإنهم من المؤكد لن يعودوا لشراء أسهم الحكومة فيها نتيجة ما عانوه من خسائر فادحة لا بل تجاوز الأمر إلى اتهامهم بشبهات فساد أيضا، فخصخصة الملكية على سبيل المثال وشراء رجل المال والأعمال والسياسة اللبناني نجيب ميقاتي 20 %من أسهمها سنة 2008، عاد عليه بالخسائر الفادحة التي تجاوزت أكثر من 56 مليون دولار، وتحوّل موضوع خصخصتها لساحة لتصفية الحسابات تحت قبة البرلمان، وتراشق بعض النوّاب والحكومة الاتهامات حول شبهات فساد شابت عمليات خصخصتها وانتهى الأمر بتحويل ملفها إلى هيئة مكافحة الفساد التي لم تخرج باتهام من هذا القبيل، لكن المستثمر عانى الامرين من هذا الاستثمار الذي لو عاد به الزمن فإنه لن يكرره بتاتا.
والأمر مشابه لمشاريع أخرى تلقى المستثمر فيها ضربات موجعة ماليا وإدارياً واجتماعياً أيضا، كما حصل في خصخصة الفوسفات وفنادق ماعين وشركات صيانة الطائرات والمحركات والأسمنت وغيرها من عشرات الشركات التي باعت الحكومات حصصها كاملة لمسثمرين.
التجارب السابقة في الخصخصة تعطي دلالة واضحة بأنه ليست كل المشاريع التي تمت خصخصتها عادت بالنفع على مستثمريها، بالعكس كانت نتائج البعض منها مخيبة لدراسات الجدوى التي أعدها المستثمر لأسباب مختلفة، والبعض الآخر والذي يشكّل فارقة نوعية في خصخصته نتيجة النجاحات التي تحققت على كل الاصعدة، يبدو انها تجارب باتت في الحكم الماضي ولن تتكرر بهذا الشكل المميز، ايضا نتيجة لغياب الإدارات الرشيدة في طرح المشاريع وإعداد الدراسات اللازمة حولها، فالخصخصة منها ما هو مفيد للاقتصاد والمستثمر معا، ومنها ما هو عبء اقتصادي على الطرفين معاً لغاية يومنا هذا.

زر الذهاب إلى الأعلى