لا أعتقد شخصيا بوجودها! فإما أن تكون مشاعر أو لا مشاعر. البرود يعني انقضاء الإحساس، وسيره البطيء نحو النهاية. والشعور بالبرد هو مقاومة الجسم لاختلاف درجات الحرارة أثناء عملية احتراق. هكذا وبكل بساطة ننفي عن المشاعر تهمة البرود، لأنها حين تهم بالتحرك فهي تدفأ وتسخن وتغلي حتى تستعر، حبا أو غضبا أو حزنا، أو حتى كرها!
الزمن الكفيل بنسيان القسوة والأسى، يفعل الشيء ذاته مع الأحاسيس، حين لا يجد في مواجهته قبس نار يحذره من الاقتراب، أو يشي له أن في البقية بارقة أمل، لم تخبُ بعد. لكن حين يتسيد الرماد الموقف، وتخمد المشاعر إلى الأبد، يتدخل الزمن بلؤمه وشماتته هذه المرة فيعدم فكرة العودة بيديه، من خرافة النهوض!
المتابع لقصص الناس من المستويات والشرائح كافة، تتكون لديه آراء ظلامية ناحية الحب والطيبة والعشرة والوفاء. فلا كثرة المال أو قلته، ولا حيازة أعلى الشهادات أو عدمها، ولا الأديان ولا المرجعيات الاجتماعية والفكرية، تتحكم في ماهية العلاقات الإنسانية والمشاعر الدافئة بين الأطراف، بقدر ما للطبع، فقط الطبع والإرث، وليس والوراثة حتى نكون واضحين، الأثر الأول والأعمق والأقوى في تبدل المشاعر من كونها مشاعر إلى لا شيء.
هناك حكايات حب وارتباط بدأت بأجمل ما تكون البدايات، وامتلأت دواليب ذكرياتها بتفاصيل جميلة ومؤلمة معا، ومن المفترض أنها مطعوم الحياة ضد موت الأحاسيس، لكن تكون نهاياتها جسيمة ومزلزلة على من كان يتغنى بها، ويحاول أن يتماهى معها ليكون راضيا وسعيدا كما كان أصحابها.
تتدخل المصالح ويتسلل الملل للعلاقات كلها، إنما قليلة هي المشاعر القادرة على الصمود لليوم الموعود. وهنا تتباين الفروقات مع خاصيتي الطبع والإرث اللتين تم الإشارة لهما سابقا. وهما بالمناسبة لصيقان ببعضهما بعضا بشكل سيامي، لا تعرف ما سبق الآخر وما لحق بالآخر!
الطبع المتغلغل في إرث الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، يحوله مع الزمن إلى كائن يشبه أحدا كان يشكل خوفا وقلقا للطرف الثاني، في بدايات الحكاية. وهذا الثاني على الأغلب، كان يراهن على التغير والتبدل إلى حد الانسلاخ عن تفاصيل مقلقة، لا تكبر وتترعرع للأسف إلا بعد فوات الأوان، وبكثير.
الطبع الذي تربى عليه الإنسان، ذكرا أم أنثى مرة ثانية، واكتسبه مع المشاهدة والتلقين والحفظ في تجاويف الذاكرة، هو الإرث الذي يظهر كما منديل الحاوي من جراب الزمن، يستدعي أسباب الجفاء كلها، ويمهد للقطيعة ويعلل موت المشاعر بأي تفسير يقع تحت ناظريه. يطلق أسماء على مكونات وصفة النهاية، كما يحلو له ويقنع ضميره؛ فالبعد برود والصمت سكوت والجفاف اختصار!
فيما تتعارك مشاعر الطرف الثاني وحدها، وتنفخ بكل ما تحمله أوداجها من هواء لتنقذ الشعلة الأخيرة، تظن أنها قادرة على فك طلاسم سحر القطيعة، وإعادة النار إلى موقد الدفء والعشرة والحب، فتفاجئها أمطار السماء في غير موعدها، تقضي على بقية أملها نهائيا، وتغسلها، ثم تقول لها: انهضي، ليس لك في هذا المكان، مكان!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock