أفكار ومواقف

مشاهد من “رمضان”

“رمضان”، في ذاكرتنا، السهر العائلي الحميم، ودعوات الأخوات للإفطار، ومسلسلات “غوار الطوشة” قبل اختراع الفضائيات، وكنا صغاراً نحاول السهر ما أمكننا لنرى، ولو من شقوق الباب، تلك الشخصية الباهرة التي نسمع عنها طوال النهار: المسحّر!


نتبارى نهاراً لاكتشاف المفطر منا، ويسيل لعابنا عند باعة “القطايف”، أو إذا ما مررنا أمام “الخروب” المثلج، ونقضي آخر ساعتين من النهار ونحن نحسب بالدقائق: كم تبقى على الأذان؟


أما الآن، في الزمان الذي فيه لكل شيء صورته الجديدة والمختلفة، في عصر “الأذان المسجل إلكترونيا”، فيقضي من كنا في مثل أعمارهم، الليل في “الخيام الرمضانية” ويستعيضون عن المسحّر بـ”نغمة تنبيه” على الموبايل!


تغيرت الحياة، وتغيرت معها طقوس “رمضان” وعاداته وبهجته، التي أخذت أشكالاً لم نألفها.


كانت الأمور أبسط بكثير؛ والمتع التي كنا نحسها، لم تكن مكلفة، أما الآن فثمة مشاهد أخرى ارتبطت بشهر الصيام؛ الكوفي شوبات التي تسهر حتى السحور، خيام المطربين، مقاهي المولات التي يجلس فيها الناس ليستمتعوا بمشاهدة بعضهم، من باب الفضول فحسب!


فالشهر الذي ارتبط دائماً بالورع، يرتبط الآن بالأراجيل!


والشهر الذي اقترن بالصوم صار شهراً للأكل، والنهم، والأطباق التي تطبخ على الهواء مباشرة!


والشهر الذي كان منذوراً للزهد، في كل شيء، صار شهراً للشهية المفتوحة دائماً، على كل شيء!


وحتى الذين لا يذهبون للمولات، ولا يستجيبون لنداءات الخيام الرمضانية، تجدهم يجلسون كالتماثيل أمام “مسلسلات رمضان” الفكاهية والتراجيدية والتاريخية.. وحديثاً السياسية!


أتمنى أن لا يُحسب حديثي هذا غيبةً ونميمةً على المؤمنين، فذلك مكروه في الشهر الفضيل، لكن لا أحد يستطيع أن يتجاهل السلبيات الكثيرة التي تستفزنا في “رمضان”، والتي ربما كانت موجودة في باقي الأيام لكننا نستفز منها في الشهر الفضيل أكثر لجوعنا وتعبنا، وأعصابنا المرهقة، ولأننا أيضاً نفترض غيابها في شهر مبارك ارتبط بالخشوع والتقوى، والابتعاد – ولو مؤقتاً – عن الخطايا!


فالأراجيل مثلا ظاهرة لا يستطيع أحد منعها بالقوة، لكن الممكن منعه هو تقديمها للتلاميذ والتلميذات اليافعين، والترويج لها بإعلانات صاخبة في التلفزيون والصحف، بطريقة تظهرها وكأنها هدية للصائمين!


كما أنك لا تطيق – مثلا – في عز شهر الدين والإيمان أن يغشك التاجر في الميزان، أو أن يعطيك “القطايف” نيئة حتى يبيع اكبر كمية ممكنة بأسرع وقت، أو أن ترى الناس يتدافعون لتخزين الخضار واللحم والخبز… بل وحتى اسطوانات الغاز، كأن كل شيء سينقطع بعد قليل، أو أن الأسواق ستخلو من الخضار!


ولا يسعدك، في الشهر المبارك، أن يصير اطفالك مجرد اجهزة استقبال للمسلسلات الخفيفة، أو ماكينات لا وظيفة لها سوى فرم المأكولات والتهام كل ما يصلح للأكل!


ويكفينا ما يفعله بنا مخرجو المسلسلات العربية؛ فالبطلة التي تقدم دور روائية مشهورة جدا في مسلسل بالعربية الفصحى اسمه (ذاكرة الجسد) لا تعرف أن “من” حرف جر، فتقول ببالغ الدلع والدلال وهي تحادث قارئا مبهورا بها (أكثر من خمسون جريمة)! وفي مسلسل آخر يقرر المخرج، الذي يفترض هبل مشاهديه، أن الفتاة التي تحمل درجة الدكتوراه تلفّ القاهرة كاملة تبحث عن كتاب (كيف تصطادين عريساً؟)، وأنها تندب وتولول وتنوح على الدرج إن سمعت بزواج صديقة أو جارة!!


هكذا تتصرف دكتورة!! وكأننا نعيش في الأدغال وفي عصور ما قبل القراءة والمعرفة واختراع العقل والملابس!


ibraheem.jaber@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مشاهد ضرورية في رمضان!!
    أتفق معك صديقي ابراهيم فيما ذكرت في مقالك بأنه ثمة أمور كثيرة بغض النظر عن كونها سلبية أو ايجابية قد تغيرت ، وبأنه ثمة احداث اضافات كبيرة وعادات كثيرة في هذا الشهر المبارك رمضان ، لم تكن لها من وجود في رمضانات كثيرة سابقة.
    فمن ظاهرة الخيم الرمضانية والكوفيشوبات كما تحدثت ، إلى ظاهرة السينيمات التي أصبحت تستيقظ حتى موعد السحور ، إلى ظاهرة التمشي والدوران بالسيارات حتى أوقات الصباح الأولى .. حتى أنك إذا نزلت إلي الشارع في الساعة الثالثة صباحاً لأي أمر، فسوف يُخيل إليك بأن الساعة التاسعة مساءً فقط .. والقصد من هذه البدع والاضافات التي طرأت على رمضاننا هو (قتل الوقت ) الضائع والميت أصلاً فقط !!
    ومسألة النميمة والغيبة التي تحدثت عنها فهي مكروهة في شهر رمضان وباقي الشهور .. فرب رمضان هو نفسه رب الشهور كلها.
    وبالنسبة للمسلسلات الرمضانية التي تتحدث عن المثالية المطلقة الخيالية ، فقد أخذت دور الوكيل الحصري للشيطان في مسألة التضليل والاغواء وتضيع رمضان ومحاسِنَهُ!!
    إلا أن الشيء الوحيد الذي ما زال محافظاً على أصلاته ووجوده مثل محافظة رمضان على اسمه .. هو الفقر والفقراء .. فالفقر هو الصديق الوحيد الذي ما زال محافظاً على وجوده في كل الشهور وفي هذا الشهر بالتحديد خص نص ، بل ويتكاثر هو ومشاهِدَهُ الصعبة العصية على النسيان .. ذلك الفقر القبيح الذي غدى بمثابة ماركة رمضانية ، ونقطة عار سوداء في صدر هذا الشهر الجميل والحبيب .. للأسف.

  2. "رمضان معنا أحلى" !!!!
    لا أدري كيف كان يفكر الشخص الذي إختار شعار "رمضان معنا أحلى" للتلفزيون الأردني؟ حاولت إيجاد معنى لهذا الشعار فلم أتوصل إلى جواب.

  3. عن المسلسلات
    مخرج أو منتج أي عمل سينمائي يهمه بالدرجة الأولى إقبال الجمهور عليه. وهذه النوعية السخيفة والردئية من الأعمال "الفنية" هي التي تجذب الجمهور الرديء، الذي لو ما كان رديئا لما كان المنحط والهابط من الأفلام والمسلسلات هو القاعدة وليس الإستثناء.

  4. نهارك سعيد
    كانت الامور بسيطة فعلا
    من مد اللسان لنعرف اذ كان الشخص صائم او منقرص الجلد
    لمد اللسان امام المسلسلات
    رمضان تكنولوجي بحت
    الحمدلله لااتابع المسلسلات و لكن من خلال قرائتي للجرائد و للنقد الحاصل
    استغرب جدا جدا تلك الدعوة للجسد في رمضان
    اذا قرات ان هناك مسلسل
    زهرة و ازواجها الخمسة
    و عايزة اتزوج و ذاكرة الجسد
    لما هذا الاستخفاف بالمراة و الدعوة الى الزواج و انه يا بتلحقي يا ما بتلحقي
    على اساس انه لدينا ازمة عرسان كأزمة الخضار و قصة التخزين
    كرامة المراة لا تقتصر اذا كانت دكتورة ام لا
    اين شرقيتي انا ؟ و عزة نفسي

    شكرا لك استاذ ابراهيم ..مقال رائع كعادتك

  5. لم يبق من هذا الشهر سوى اسمه
    كل شيء في حياتنا الحالية ذهب دفئه و حقيقيته التي كانت في طفولتنا مع انه كانت الوفرة المادية اقل بكثير

    بس لمة العيلة هي الكنز المفقود

    حتى نحن صرنا كذبة على الوجود

  6. مادا عساني اقول
    لا اعرف ان كان يجب علي ان اوافقك الراي او اعارضه فانت تحمل في مقالك الكثير من الحقيقة غير ان هدا الحقيقة لم تعد كدلك في زمن الانترنت
    و العيب ليس في المسلسلات و لا في حرف الجر الدي غاب عن جيلا كامل العيب ياسيدي المحترم في من نقل حرف الجر الى شاشاتنا صدقني لا احد ممن يشاهد داكرة الجسد و اولهم انا قد توقفنا هند حرف الجر ربما لاننا انرجينا ان صحة الكلمة وراء البطلة التي قد اعدرها لانها حديثة بالكمرا غير الدي اماها هو نجما كبير و الدي يقود العمل نجم كبير و التي كتبت السينريو نجمة في عالم الكتابة فهل صم الجميع عن سماع حرف الجر ؟ فلم يوقف المسكينة و يصحح دلك ؟ اه ياسيدي مادا عسايا اقول لك ..فقط اعدر لغتي ان كانت عوجاء فحرف الجر طلقته مند زمن و لم يبقى لي سوى جرنفسي و جسدي لا ارفه عن نفسي امام شاشتي الصغيرة ربما اصنع من حالتي شبه داكرة اتدكر من خلالها ان من حرف جر

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock