أفكار ومواقف

مشروع العطارات.. جريمة بحق الاقتصاد

قلنا سابقاً في هذا المكان، إن أكبر تحدٍ يواجه الاقتصاد الوطنيّ هو القرار الإداريّ الداخليّ والذي بات يُشكّل استنزافاً لموارد الدولة وضياعاً لها.
قافلة كبيرة من القرارات الرسميّة التي اتخذت تحت غطاءات مختلفة تركت تداعيات خطيرة على الاستقرار الماليّ والاقتصاديّ للخزينة لغاية يومنا هذا دون حسيب أو رقيب أو حتى تقييم علمي موضوعي لها حول قرار بيع رخصة أُمنية، وصفقة نادي باريس، وخطة إعادة الهيكلة للقطاع العام، وغيرها من القرارات التي استنزفت ملايين الدنانير من جيوب ومدخرات الأردنيين، وذهبت دون أيّ جدوى لها.
اليوم ينضم إلى هذه القافلة مشروع العطارات الذي سيبدأ تشغيله رسميّاً في شهر حزيران المقبل بقدرة إنتاجية 554 ميغاواط، وهو أكبر مشروع في العالم للحرق المباشر للصخر الزيتيّ وبكلفة استثماريّة تزيد على ملياري دولار لتعدين منطقة جيولوجية كفيلة بتزويد محطة الكهرباء بحوالي 10 ملايين طن من الصخر الزيتيّ سنويّاً لمدة 40 عاماً.
الأصل في هذا المشروع أن يوفر للاقتصاد طاقة كهربائية كبيرة تلبي احتياجات المملكة بسعر منخفض جداً يساهم بتخفيض كلف الطاقة وتحديدا التعرفة الكهربائيّة على المستهلكين.
لكن الحقيقة أن تصميم مشروع العطارات الذي وقّع في العام 2017 جاء بشكل ليكون عبئاً خطيراً على الخزينة، التي ستضطر إلى دفع ما يقارب الـ 200 مليون دينار للطاقة الكهربائية التي ستشتريها الدولة من المشروع هذا العام، لترتفع القيمة إلى 500 مليون دينار سنوياً اعتباراً من العام المقبل ولمدة 27 عاماً.
الأصل في مشرع العطارات أن يكون لدى الحكومة بديل محليّ جزئي للطاقة وبسعر مُناسب، لكن الخطورة في المشروع اليوم أنه سيوّلد طاقة كهربائية كبيرة 554 ميغا واط، ولن تتمكن الحكومة من استهلاكها أبداً، لأنها بالأساس لديها فائض كبير من الطاقة الكهربائية من شركات الطاقة المتجددة التي كانت الحكومة أبرمت معها اتفاقيات شراء لـ20 عاماً بأسعار عالية، لكنها قد تكون مبررة في ذلك الوقت بسبب الظروف التي حكمت المفاوض الأردنيّ حينها في سبيل تأمين احتياجات المملكة من الطاقة الكهربائيّة بعد انقطاع الغاز المصريّ عام 2011، ومع ذلك الحكومة والنوّاب متفقون على بحث كيفية إعادة النظر في هذه الاتفاقيات من الناحية القانونيّة، لأنها تُكلف الخزينة ما يقارب الـ200 مليون دينار سنوياً لقاء طاقة كهربائية مشتراة، وجزء كبير من الطاقة لا يولد لأنه يفوق قدرة احتياجات واستهلاك المملكة أي أن الخزينة تدفع للشركة مقابل كهرباء لا تحتاجها ولا تستطيع حتى استخدامها مع كُلّ أسف.
الخطورة في موضوع العطارات اليوم أن الحكومة كررت ذات الأخطاء في اتفاقيات الكهرباء السابقة، فمشروع العطارات وقّع دون تحديد الاحتياجات الفعلية من الاستهلاك، ودون وجود مبرر لإنتاج هذه الكمية، وفي ظل انخفاض أسعار النفط العالمية إلى ما دون الـ 60 دولارا للبرميل، علماً أن الجدوى الاقتصادية لمشروع الكهرباء المتولد من الصخر الزيتي في مشروع العطارات يكون عند سعر 137 دولاراً للبرميل.
توقيت مشروع العطارات يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي دفعت جهات حكومية إلى إبرام اتفاقية إنشاء المشروع الذي سيستنزف 500 مليون دينار سنوياً من الخزينة لقاء طاقة غير مستهلكة أبداً وفائضة عن الحاجة، مما يعني أن الخزينة في حالة استنزاف مستمر لمواردها المحدودة، الأمر الذي سيؤثر حتماً على الاستقرار المالي للدولة.
الخطورة في التداعيات المالية لمشرع العطارات هو أن الحكومة التي ستشتري الكهرباء بسعر 105 سنتات لكل كيلو واط، ستكون مضطرة لرفع أسعار الكهرباء 20 بالمائة كأقل احتمال من أجل تغطية الخسائر التي ستتحملها شركة الكهرباء الوطنية، علماً أنه لو لم يكن مشروع العطارات قائماً فإن المنطق يقتضي تخفيض أسعار الكهرباء 20 بالمائة كأقل تقدير، في حين ستحقق الكهرباء الوطنيّة ربحاً صافياً قد يتجاوز الـ 200 مليون دينار.
مشروع العطارات تدور حوله أسئلة كثيرة ومنطقية وخطيرة في آن واحد، وقد تكون الأشهر القليلة المقبلة مليئة بالأحداث المتعلقة بالمشروع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock